في انتظار البيتزا

لا يبدو أنَّ السماء ستتركنا على خيرٍ اليوم” قلت ذلك وأنا أتحرى الخُطى وأتحاشى كوماتِ الطينِ التي تملأ طُرقاتِ القرية، السحبُ لا تفتأُ تزدادُ سوادًا، تُرسلُ بينَ الفينةِ والأخرى ومضات برقٍ منبئة بقدومِ عاصفةٍ أُخرى، ستكمل إغراق ما تبقى من قريتنا المتهالكة.

الخرافاتُ هنا ليست مجردَ موضوعٍ مستهلكٍ نتناقشه في المقاهي عندما تُعدم الأحاديث، إنَّها تولد هنا من رحم الواقع القاسي، كعنقاءَ تنهض من رمادها، نربيها بين أبنائنا خفية، حتى إذا كبرت أرهبَنا حجمُ الوحش الذي ربيناه بين أظهرنا؛ سنتحاشاه، ثم نخافه، ثم نقدسه، ثم نؤمن به غصبًا عنا.

قبل سنوات من الآن كنّا قد أوجدنا الخرافةَ الخاصة بنا في القرية، شهرُ نوفمبر كان خرافتَنا الحقيقية، كنا نسميه “يور آبركان” أي الشهر الأسود.

كانت الرياحُ تتناقل همس العجائز في أكواخهن وهن يقلن لأزواجهن بنبرة بائسة ” الشتاء قادم “، ليفهمَ الأزواجُ المقصودَ ويهرعوا بمعاولهم نحو جبانة القرية أعلى التلة، ويحفروا بضعة قبورٍ احترازًا، حيثُ أنَّ نصفَ راقدي هذه المقبرة قد قضوا حتفهم في نوفمبرٍ ما من سنةٍ ما.

جعلتني فكرة الخرافة والموت أتعثرُ أخيراً في كتلة وحلٍ أمام محل البيتزا خلفتها عجلات السيارات، لم يكن عليّ الحديث عن هذا على كل حال، فلا وجود في اعتقادي لشيء اسمه موت شتوي وموت ربيعيّ، وحتى لو أوجدت الظروف شيئاً مشابهاً لذلك، فلن يكون الموت الربيعيُّ بأحسن من الشتويِّ، على الأقل في هذه القرية، فالموتى هنا لا يكللون بالورود ولا توضع شواهدٌ على قبورهم، وغشاوة الأحاسيس المشربة بالأحزان التي تخلفها الجنائز تدوم طيلة العام.

أحاول سحب قدمي العالقة في الوحل المختلط بزيت عوادم السيارات التي يركنها أصحابها أمام باب المحل، لقد كان خطأ مني انتعال حذائي هذا في ظروف مثل هذه، لكن ظروفًا أخرى موازية حتمت عليّ انتعاله أيضا، فاليوم هو يومي الأولى في ابتدائية القرية، وكان من اللباقة الظهور بمظهر لائق، على الأقل قبل أن أكتشف أن اللباقة والمظهر اللائق مصطلحان غريبان أيضاً داخل أسوار الابتدائية، فالمدير والأستاذان اللذان يعملان هناك لم تمنعهم اللباقة من ارتداء الأحذية البترولية التي نسميها ” ليبوط ” مع قشابية بنيّة للتخفيف من وطأة السواد القاتم.

بعد تحية العلم في الصباح الباكر، تبسم لي المدير وهو يفرك يديه قائلا: “دفّي روحك ابني“.

في الحقيقة لست أستاذًا بالمعنى المطلق للكلمة، صحيحٌ أنّي أحملُ محفظةً جلديّةً وأرتدي لباسًا مهندمًا، بالإضافةِ إلى حذاءٍ مشربٍ بزيوتٍ رديئة الصنع، لكنّي مجردُ مستخلف، معلم مستخلف، أخلف معلمةً استخلفت معلمةً أخرى، المعلمة الأولى في فترة أمومة، أما الثانية فقد كانت ابنة مدينة؛ لم تطق صبرا بيننا.

أُخرج قدمي بصعوبة، أحاول تنظيفَ الحذاء مع حواف الرصيف الذي لم يجدد منذ خمس عهداتٍ حسب تقويم العُهَد لرئيس البلدية، أدلف محل البيتزا المفروش بنشارة الخشب كي تمنع التصاق الوحل بالأرضية، وأتجهُ للكونتوار لأرى ما يمكن تناوله في هذا الجو البارد، لم تكن هناك سوى مثلثاتِ بيتزا ذابلة، وقطعتي سوفلي محروقتي الجوانب، سألت صاحب المكان إن كان هناك شيء أخر عدا هذا، فقال أنّه عليَّ انتظار قطعة البيتزا الجديدة.

ولأنّني كنتُ قد أخذت درسًا في فن الانتظار من درويش، لم يزعجني كلام البيتزاريو، ووجدت لنفسي كرسيا في زاوية البيتيزريا، كان مهترئا يصدرُ أزيزا مزعجا مع كل حركة أتحركها ابتغاء بث القليل من الحرارة في جسدي الرابض تحت كومة الملابس المهندمة وغير القادرة على دفع البرد المنساب من التشققات التي تملأ المكان، تكورتُ على نفسي وجلستُ منتظرًا أن تجهز البيتزا، على الطاولة أمامي جثت عبوات المايونيز والهريسة والملح كمعطوبي حرب، أمسكت عبوة الملح الصغيرة ورحت أدورها بين أناملي بينما سرحت نظراتي في مشهد الشارع خلف زجاج البيتزيريا.

كانت هناك بركة ماء بنّي واسعة تتوسط الشارع، خيّل إليَّ من اتساعها المفرط أنني قادر على تنظيم سباق نادر لقوارب الكاياك أيام العطل ونهايات الأسبوع، كان يمكنني تخيل الرجال هناك تتحس سواعدها قبل السباق، زوجاتهم يقمن بنصب عدّة الباربيكيو على ضفاف البركة، أما الأطفال فيصنعون قوارب من ورق وينادون على سرب الإوز المختال في بياضه.

لكن بدل ذلك كله، كان هناك حفنة من أطفال الابتدائية يتراشقون بالوحل على ضفاف البركة، ويدفعون بعضهم بعضاً ناحيتها لرؤية الأقوى بينهم، على بعد عشرة أمتار منهم طفل بمعطف أصفر جميل و “ليبوط” مزركش عكس اللون الأسود النمطي، كان يندفع نحوهم خطوة وينسحب إلى الوراء خطوتين، بدا راغباً في مشاركتهم اللعب، لكنه في قرارةِ نفسه يعلم أنه سيدخلُ معركةً لا خاسر فيها إلا هو، كان بإمكاني رؤية الشيطان الأحمر ذي الرمح الثلاثي والملاك الأبيض ذي القوس والحلقة النورانية الخاصين بهذا الطفل، كانا يتقاتلان فوق رأسه من أجل أن يمرر أحدهما وسوسته قبل الآخر.

في الأخير تغلب الجنيُّ الأحمر وانطلق الصبي صوب المعركة، دفع أحدَهم لكنه لم يكن بالقوة الكافية لزحزحته من مكانه، ناهيك عن أنّه اختار الصبي الخطأ لدفعه، دائماً ماخالفت قريتنا القوانين الطبيعية والوضعية، فقانون الخطأ الأول مثلاً يقول أن نتائج هذ الخطأ تكون خفيفةً نسبياً حتى تعطينا الخيار، إما بالإكمال في نفس الخطأ لحين الضربة القاضية، وإما العدول عنه بعد أول تجربة، لكن هنا في قريتي التي لا تعترف بصبيٍّ ولا عجوز، تنال الضّربةَ القاضيةَ مع أول خطأ تقترفه.

استدار الصبي المدفوع نحو الصبي ذي المعطف الأصفر، كان بإمكاني رؤية ملامح الصبي المدفوع، كان بإمكاني أيضا أن أحزر من أي صنف هو، مئزر فاقد الأزرار على ما يبدو، والقليل فقط من الملابس تحته تقيه برد الشتاء، وشراشفُ من أكياسِ النايلون ظاهرة بين تشققات حذائه البترولي، لدفع البرد عن قدميه الصغيرتين.

بدت وجنتاه متوردتين وشفاهه زرقاء من شدة البرد عندما استدار لرؤية الذي دفعه، علت ابتسامة ذات شرٍ طفولي ثغره وهو يرى الطفل الواقف أمامه، رأى فيه كيس ملاكمة جيدا لإفراغ شحنات غضبه التي بدت أنها تفوق عمره بأشواط، غضبه على فقره البائس، غضبه على عدم امتلاكه مقلمة وأقلام تلوين، غضبه على معلمه الذي عاقبه لعدم قيامه بتحضير الواجب المنزلي، لأن الأستاذ لم يفهم شرحه حول عدم امتلاكهم منزلا أصلا كي يقوم بحل الواجب المنزلي هذا، فهم يقطنون خيمة منذ الشتاء الفارط بعد أن استوى منزلهم القصديري على الأرض جراء السيول الجارفة التي أخذت بالمنازل والعباد الى مصيرهم المحتوم، لم يفهم أنه قد قضى معظم الليل يفتح المجاري لمياه الأمطار مع والده كي لا تتسلل إلى الخيمة لتتخطف أخاه الصغير مثلما فعلت مع ابن الجيران.

أمسك الصبيّ ذو الشراشف النايلونية الطفل المهندم وأوسعه ضرباً، رمى به نحو البركة وحرض الباقين عليه، ولولا وجود بائع الخضر هناك لكانت نهايته، فرّق البائع الجمع، وحاول إعطاء الفتى المغلوب حبة برتقال كي يكفّ عن البكاء، لكن الأخير رماها وهرول مسرعا خارج إطار مشاهدتي.

حوّلت قبلة مشاهدتي نحو بائع الخضار ذاك، لم يكن بائع خضار بالمعنى الواضح، كان بإمكانه بيع الكثير من الأشياء بالإضافة الى الخضار، عندما يصحو الجو ستجده بائع سردين، سيكون بائع زلابية في رمضان، وبائع مفرقعات وشموع في المولد، الشيء الوحيد الثابت في اسمه هو كلمة بائع أما الشطر الثاني فمتغير على حسب الضرورة، كان يبيع اليوم بصلاً وبرتقالاً، ويبدو أن أحد الأطفال المشاركين في المعركة الأخيرة ابنٌ له، كان يأنّبه بشأن الأحداث الأخيرة على ما اعتقد ثم أمره بالتقاط حبة البرتقال التي رماها ذلك الطفل الباكي.

ربت البائع على رأس ابنه وطلب منه الانصراف، بينما همّ مسرعاً بشحن صناديقه الى سيارته المهترئة، لكنّ سيارة الدرك التي اقتحمت المشهد فجأة وصلت قبل أن يفر بخبز عياله.

صادر رجال الدرك صناديق البائع بتهمة البيع غير المرخص في أماكن غير مرخصة، جلس البائع على الرصيف دون أن يعير اهتماماً لبقايا الوحل المتلاصق على حوافها وأسند رأسه إلى كفيه، الظاهر أن البائع لم يكن من ذلك الصنف الذي يُحدث المشاكلَ بعد أمرٍ كهذا، وقد اكتفى بجلوسه ذاك مغلوباً على أمره. اقترب منه ابنه معطياً إياه حبة البرتقال، كمن يحاول انتشال والده من دوامة الغبن داعياً إياه إلى بدايةٍ جديدة وانتكاسةٍ جديدة مثل كل مرة.

انتشلني صوت همهمةٍ تصدرُ من أعلى الجدار المقابل لي، كان هناك تلفازٌ قديم الطراز جاثمٌ بكل جبروته متحدياً سطوة التكنولوجيا بحدبة ظهره البارزة وصوته الجهوريّ، كانت الهمهمة لمسلسل جزائريٍّ ما، أظهرت الشاشة أربعة أطفال يتكلمون بينهم مشكلين حلقة دائرية، كانت وقفتهم أشبه بوقفة عكسرية استعدادية، أما حديثهم فقد كان متناوباً، حيث يأخذ كلٌ دورَه حسب مركزه في الحلقة الدائرية، يخطو خطوة نحو داخل الحلقة، يستظهر النص التمثيلي الذي سيقوله كمن يستظهر أنشودةً وطنيّةً ما في حصة المحفوظات، ثم يعود إلى مكانه بخطوة أخرى نحو الوراء.

قطع عليّ البيتزاريو حبل تفكيري بوضع دائرة البيتزا المكللة بأصابع البطاطا المقليّة أمامي، طالباً إياي بطريقة غير مباشرة الانغماس في طقوس أكلي المقدسة بدل حشو رأسي بالمزيد من الترّهات التي لم تعد تجدُ لنفسها مساحةً كافية.

توازى إكمالي الصحن مع انتهاء المسلسل الجزائري، كنت دوماً مولعاً بقراءة جنريك النهاية للمسلسلات والأفلام وقبلها الرسوم المتحركة، إذ بفضلها عرفت طرقان العربي طرقان ورأفت بازو ورشا رزق ومركز الزهرة.

كانت هناك فقرةٌ تحملُ أسماء الأطفال المشاركين في هذا المسلسل، وعلى الأرجح هي أسماء من كنت أُعيرهم انتباهي قبل لحظات، حملت الفقرة أسماء خمسة أطفال، ثلاثةٌ منهم يحملون نفسَ اللقب، نفس اللقب أيضاً كان يحمله مخرج العمل.

قادتني الذكرى فجأة إلى مشهدٍ لي في الماضي السحيق، حيثُ أجدني متربعاً أمام شاشة التلفاز الصغيرة، حاملاً صحن عدسٍ بيدي أشاهد مسلسلاً جزائريّاً.

لقد كنت أتابع مسلسلاً جزائرياً لا أفهم منه شيئا سوى تتبع أثر ذلك الطفل داخل الشاشة أينما حل وارتحل، انتابتني الغيرةُ منه بعض الشيء، كان ظاهراً لي أني سأبلي بلاءً أفضل منه في التمثيل لو أتيحت لي الفرصة، لكنَّ المحزن أنَّ كتابةَ النهاية كانت تعطي انطباعاً بأنَّ الصبيَّ ابن المخرج لتشابه لقبيهما، وبهذا لملمتُ شتاتَ نفسي واتجهتُ صوبَ والدي الذي أتذكر أنَّه كان يحاول إصلاح بالوعات البيت قبل حلول شهر نوفمبر الأسود، وقلت له بصوتٍ أجش: “أبي عليك أن تصبح مُخرجاً

تدقيق لغوي: لوتيس ناصر

الصورة الافتراضية
Lotfi Aber
المقالات: 0