نقد نسوي لروايات موراكامي مع موراكامي نفسه.

هاروكي موراكامي: ولد في كيوتو عام 1949 ويعيش حالياً بالقرب من طوكيو. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 50 لغة، وحاز على مجموعة من الجوائز والتكريمات الدولية منها جائزة فرانز كافكا وجائزة القدس. كما تحصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة لييج وجامعة برينستون تقديراً لأعماله.

ميوكو كاواكامي: ولدت في محافظة أوساكا عام 1976، تعيش حالياً في اليابان. بدأت مهنتها كمغنية وكاتبة أغاني قبل أن تبدأ مسيرتها الأدبية لأول مرة عام 2006. نُشرت روايتها الأولى “غروري، أسناني، والعالم” عام 2007، رُشحت لجائزة أكوتاغاوا وحازت على جائزة تسوبوشي شويو للكتاب الناشئين الشباب. نشرت كاواكامي في السنة التالية “أثداء وبيض” كرواية قصيرة وهي أولى رواياتها  المترجمة  للإنجليزية . فازت بجائزة أكوتاغاوا، وهو أرفع وسام أدبي وإشادة مستحقة من الكاتب المشهور يوكو اوغاوا. كما ألفت روايات أُخرى منها “جنة”، “الليل ينتمي للعشاق”.

ميوكو كاواكامي: يتملكني الفضول حول شخصية ماريا اكيجاوا من رواية مقتل قائد الفرسان. بإمكاني أن أصف مقدار قلقها حيال ارتباط هويتها الشديد بثدييها. الأمر هذا لا ينطبق على النساء الشابات في رواياتك الأُخرى. يمكنني بسهولة الشعور بالانتماء لشخصيات مثل يوكي في “رقص رقص رقص” أو ماي كاسارا في “تاريخ العصفور الألي”.

أفكر في ذاك المشهد حين تتحدث ماي كاسارا عن “كتلة الموت… مستديرة وإسفنجية، مثل كرة لينة.” فعلاوة على   نقاشات بطل الرواية، لـماي سطور عظيمة فيها حول الفرق الغامض بين إيذاء نفسك وإيذاء الآخرين، أو موتك وموت الآخرين، النثر رائع فيها. إنه يحمل حقيقة معنى أن تكون فتاة. أحب هذه الطرق كثيراً. يوكي وماي لا يتحدثن كثيراً عن ثدييهما أو جسديهما. لكن ماريا في “مقتل قائد الفرسان”….

هاروكي : إنها مهتمة بهما حقاً، يكاد يكون هوساً.

ميوكو: طبعاً، لكن ألا تعتقد أنها تبالغ في اهتمامها بهما رغم ذلك؟ ثانياً، إنها الوحيدة التي تُسرد شخصيتها في الرواية  بضمير الشخص الأول، وهذا الفتى الذي لم تقابله من قبل، أول الكلمات التي قالتها له كانت من قبيل “ثدياي صغيران جداً، ألا تعتقد ذلك؟” وجدت هذا الأمر غريباً، من أين يأتي هذا الهوس بالثدي؟

هاروكي: لم أكن لأقول بأنه يأتي من أي مكان، فقط أتخيل بأن هناك فتيات في العالم ممن يشعرن بتلك الطريقة.

ميوكو: لكن ماذا عن الفارق بينها وبين الراوي؟… عندما تبدأ ماريا بسؤاله حول ثدييها، مجملاً هل واجهت صعوبة حول كيف يمكن أن يكون رده؟

هاروكي: أفهم ما تقولين. لكن حقيقة سؤالها عن رأيه حول ثدييها يوحي بأنّها لا تراه كرجل حقاً. إنها لا تميِّزه كمادة جنسية، هذا يقوي الاستبطان (التأمل عن وضعك ومشاعرك الخاصة) أو الفلسفة الطبيعية لحوارهم. هذا هو نوع العلاقة الذي تريده ماريا منه. لدي شعور بأنها كانت تبحث لمدة عن شخص بإمكانها طرح أسئلة من هذا القبيل عليه. أعتقد بأن بإمكاننا أن نتفق، بصورة عامة، إذا رأيت احتمالية بأن تصبح مادة جنسية في أعين شخص ما، فلن تبدأ بالحديث حول كيف أن ثدييك لا يكبر حجمهما، أو كم هي صغيرة حلمات ثدييك.

ميوكو: أفهم وجهة نظرك، بالرغم من أني رأيت الاحتمال المضاد. أي أن ماريا بدأت الحوار بهذه الطريقة، حتى ينظر إليها بطريقة جنسية. لكنك تقول بأنها تنقي الأجواء من أي جذب جنسي بينهما، وتقوي الجانب الفلسفي لتفاعلهما مع بعضهما البعض.

هاروكي: صحيح. وبالنتيجة، الحوار بين ماريا والراوي يصبح أحد أكثر القوى الدافعة في الرواية. يسلط تعاملهما مع بعضهما الضوء على القصة.

ميوكو: بطريقة أُخرى، تزوّدنا المحادثة بالمزيد من المعلومات حول شخصية وسلوك الراوي- والذي بدلاً من ذلك كان ليبقى لغزاً بالنسبة للقراء.

موراكامي: صحيح، إنه ذلك النوع من الأشخاص الذي يمكن أن تشعر فتاة في الثانية عشر من عمرها بالراحة في الحديث معه حول ثدييها. لديه شخصية كهذه.

ميوكو: هذا ينقلني إلى سؤال آخر حول النساء في رواياتك. وهو أمر معتاد في سياق الحديث عن أعمالك. أفكر بالطريقة التي تُصور فيها النساء، والأدوار التي تُوكل إليهن.

من الشائع أن تقول لي صديقاتي، “إذا كنت تحبين أعمال هاروكي موراكامي جداً، كيف تبررين تصويره للمرأة إذاً؟”

الفكرة بأن هنالك أمراً مقلقاً حول طريقة تصوير المرأة في رواياتك. أمراً يزعج الرجال والنساء على حدٍّ سواء.

من قراءة شائعة لرواياتك بإمكاننا القول أن الذكور كشخصيات في رواياتك دائماً ما يخوضون القتال في حروب داخلية بلا وعي، تاركين النساء يحاربن في العالم الحقيقي.

هاروكي: حقاً، كيف؟

ميوكو: لا يدور الأمر حول إن كن واقعيات، أم أَعطين الاِنطباع بأنهنّ نساء من العالم الحقيقي، الأمر حول الأدوار التي يلعبنها. على سبيل المثال، كما ذكرنا مسبقاً، بأن المرأة تلعب دور المشاور الحكيم الطيب، بأنها خُلقت لتتصرف على أنها وسيط للقدر.

هاروكي: إنها تأخذ بيدك إلى مكان ما.

ميوكو: بالضبط. إنّها تحفّز التحول لدى بطل الرواية. تُقدم النساء كبوابات أو فرص للتحول.

هاروكي: بالتأكيد، بإمكاني رؤية وجود أمور من هذا القبيل.

ميوكو: في خضم هذه التحولات، طالما طُرح الجنس على أنه طريق نحو عالم غير مألوف، حين تلتقي المرأة بشخص من الجنس الآخر ما من خَيار أمامها في الأساس غير أن تلعب دور الشريك الجنسي. بالنظر للموضوع من زاوية معينة، أعتقد بأن العديد من القراء سيجادلون بأن النساء دائماً على هذه الحال، مدفوعات في دور جنسي بنحو مبالغ فيه، لأنهن ببساطة نساء. أحب أن أسمع رأيك حول هذا الأمر.

هاروكي: لست متأكداً من أني أفهمك. عندما تقولين أكثر من الدور الضروري، تعنين…؟

ميوكو: أتحدث عن العدد الكبير من الشخصيات الأنثوية الموجودة فقط لأداء وظيفة جنسية. من جهة، عملك مبدعٌ بلا حدود عندما يتعلق الأمر بالحبكة الروائية أو الشخصيات الرجالية، ولكن لا يمكنني قول الشيء عينه عن علاقاتهم مع النساء ليس ممكناً أن تعيش هؤلاء النساء بمفردهن. وبينما تتمتع بطلات الرواية، أو حتى الشخصيات الداعمة، بدرجة معتدلة من القدرة على التعبير عن الذات بفضل استقلالهن النسبي، يبقى هناك ميلٌ مستمر للتضحية بالنساء في سبيل القيادة الذكورية. لذا فالسؤال الذي يُطرح هنا هو: لماذا يُطلب من النساء في كثير من الأحيان لعب هذا الدور في روايات موراكامي؟

هاروكي: الآن أعي المطلوب، حسناُ.

ميوكو: هل تمانع مشاركة أفكارك حول ذلك؟

هاروكي: قد لا يكون هذا التفسيرُ الأكثر إرضاءً، لكنني لا أعتقد أن أيًّا من شخصياتي بذاك التعقيد. ينصبُّ التركيز على الواجهة، أو كيفية تفاعل هؤلاء الناس، رجالاً ونساءً على حدٍّ سواء، مع العالم الذي يعيشون فيه. إنني حريص جداً على عدم التطرق كثيراً إلى معنى الوجود أو أهميته أو آثاره. كما قلتُ سابقاً، لستُ مهتماً بالشخصيات الفردية. وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حدٍّ سواء.

ميوكو: حسناً.

هاروكي: سأقول أن 1Q84 كان أكثر وقت قضيته في التفاعل مع شخصية أنثوية. كانا آومامِه وتنغو مهمّيْن لبعضهما البعض بشدّة. لا يبدو أن سبيليْهما سيتقاطعان يوماً. لكن القصة تركز على حركتهما تجاه بعضهما البعض. لقد تقاسما الأوضاع كبطليْن. وفي النهاية، تم جمعهما أخيراً. يصبح الاثنان واحداً. لا شيء جنسيّ هنا البتّة، حتى نهاية الرواية. أود أن أقول في هذا السياق أنهما متساوييْن في مخطط الرواية، لأن الكتاب يعتمد عليهما الاثنين بنفس القسط.

ميوكو: غالباً ما تدور رواياتك الطويلة حول نوع من المعركة ضد قوى أكبر. تضع رواية “تاريخ العصفور الألي” تورو وكوميكو أوكادا ضد نوبورو واتايا، وفي 1Q84 يقاتل آومامِه وتنغو قوة شرٍّ قوية. النقطة المشتركة بين هاتين الروايتين هو أن الرجال يقاتلون في عالم اللاوعي.

هاروكي: عندما تنظرين إليها من هذه الزاوية، طبعاً. ربما يتعلق الأمر بعكس أدوار الجنسين المعتادة. كيف أراها من منظور نسوي؟ أنا نفسي لستُ متأكداً من هذا.

هؤلاء النساء لسن مجرد أدوات روائية بالنسبة لي. كلّ عملٍ فرديٍّ يستدعي ظروفه الخاصة. أنا لا أختلق الأعذار. إنني أتحدث من منطلق خبرةٍ وشعور.

ميوكو: فكرة شائعة؛ أنّ شخصياتك الذكور تخوض معاركها دون وعي، بالداخل، تاركةً النساء للقيام بالقتال في العالم الحقيقي. على سبيل المثال، في “تاريخ العصفور الآلي” كوميكو هي من تسحب قابس أجهزة دعم الحياة، فهي بالتالي من توقف حياة نوبورو واتايا، وتدفع الثمن في النهاية. وفي 1Q84، قُتل الزعيم على يد آومامِه. من المُسلّم به أنه ليس من الضروري القيام بنقدٍ نسويّ لكل رواية، ولكن عند قراءة هذه الكتب من منظور نسوي، فإن رد الفعل الغالب سيكون على الأرجح: “حسناً، وها هنا امرأة أخرى سُفك دمها من أجل إدراك وتحقيق الرجل لذاته”.

معظم النساء في العالم الحقيقي لديهن تجارب إذ كونهن نساءً جعل الحياة غير قابلة للعيش. مثل ضحايا الاعتداء الجنسي، المتهمات بطلبهن لذلك. يعود الأمر إلى حقيقة أن جعل المرأة تشعر بالذنب لامتلاكها لجسد كجسدها يعادل إلغاء وجودها. من المحتمل أن هناك بعض النساء اللواتي لم يفكّرن بهذه الطريقة من قبل، ولكن هناك حجةُ أنهن تعرّضن للضغط من قِبل المجتمع لخنق ودفن مشاعرهن. لهذا السبب تُعتبر رؤية هذا النمط في الخيال مرهقاً للغاية، إنه تذكيرٌ بكيف يمكن التضحية بالنساء من أجل تحقيق الرجال لذواتهم أو رغباتهم الجنسية.

هاروكي: أعتقد أن أي تنميط قد بدا غالباً من قبيل الصدفة. لم أقم أبداً بوضع أشياء كهذه عن قصد. أظن أنه من الممكن لقصة أن تؤثر على هذا النحو، على مستوى اللاوعي البحت. آمل ألاّ أبدو غير مبالٍ، لكن كتاباتي لا تتبع أي مخطط واضح. لنأخذ رواية “الغابة النرويجية” حيث يتصارع ناوكو وميدوري على التوالي مع وجودهما اللاواعي والواعي على حد سواء. كلاهما يأسر الراوي وهذا يهدد بتقسيم عالمه إلى قسمين. ثم هناك رواية “ما بعد الظلام”. تتشكل القصة بشكل شبه حصري تحت إرادة الشخصيات الأنثوية. لذلك، لا يمكنني الموافقة على فكرة أن المرأة عالقة دائماً في لعب الأدوار الجنسية أو أي شيء من هذا القبيل. حتى بعد نسياني لأحداث القصة، لازالت هؤلاء النسوة معي. مثل ريكو أو هاتسومي في“الغابة النرويجية”. إلى الآن، لازال التفكير بهما يجيّش عاطفتي. هؤلاء النساء لسن مجرد أدوات روائية بالنسبة لي. كلّ عملٍ فرديٍّ يستدعي ظروفه الخاصة. أنا لا أختلق الأعذار. إنني أتحدث من منطلق خبرةٍ وشعور.

ميوكو: أرى ما تقصد. ككاتبة، أنا على دراية كاملة بما تقصده بـ”الشعور”. في نفس الوقت، يمكنني أن أرى كيف يمكن لتفكير القراء أن يبتعد عن التجربة التي ناقشناها.

هناك شيء مهم حقاً بالنسبة لي حول ما كنت تقوله، هذه الفكرة القائلة في رأيك أنه يمكن للمرأة أن تتجاوز مجرد التمثيل الجنسي، أو أن تكون معزولةً ومفصولةً عنه تماماً، وأن تأخذ القصة اتجاهاً مختلفاً كلياً.

يمكنني معالجة هذه الأسئلة المعقدة من خلال الخيال فقط. دون المطالبة بها أن تكون إيجابية أو سلبية، أفضل ما يمكنني فعله هو الاقتراب من هذه القصص، كما هي، في داخلي.

موراكامي: صحيح. أشعر أن النساء لديهن وظائف مختلفة، إلى حدٍّ ما عن الرجال. ربما هي فكرة مبتذلة، ولكن هكذا يتعايش الرجال والنساءــ بمساعدة بعضهم البعض، تعويض ما يفتقر إليه الآخر. أحيانا هذا يعني تبادل الأدوار أو الوظائف بين الجنسين. أعتقد أن ذلك يعتمد على الشخص، وعلى ظروفه، وإذا كان يرى هذا الأمر على أنه طبيعي أم مصطنع، على أنه عادل أم غير عادل. إذا كان يرى الاختلافات بين الجنسين على أنها منطوية على تضادٍّ صارخ أو على كونها في توازن متناغم. ربما لا يتعلق الأمر بتعويض ما نفتقر إليه، بقدر ما يتعلق بإلغاء بعضنا البعض. في حالتي، يمكنني تناول هذه القضايا المعقدة فقط من خلال الخيال. دون مساءلة كونها إيجابية أم سلبية، أفضل ما يمكنني القيام به هو مقاربة هذه القصص، كما هي، بداخلي. لست مفكرا، ولا ناقدًا أو ناشطا اجتماعيا. أنا فقط روائي. إذا أخبرني أحدهم أن عملي به عيوب حين يُنظر إليه من خلال أيديولوجية معيَّنة، أو كان بالإمكان التفكير حياله قليلا، كل ما يمكن أن أفعل هو أن أقدِّم اعتذارا خالصا وأقول، “أنا آسف”. سوف أكون الشخص الأول الذي يعتذر.

ميوكو: في روايات الهاردبويلد* لرايموند تشاندلر، عادة ما تظهر النساء بمهمة، أو وظيفة يؤديها الرجل. إلى حدٍّ ما، لابد أن عملك قد استوحى من كيفية تصوير النساء في الروايات التي قرأتها، بما أن ما نقرأه مُأثِّرٌ بشكلٍ واسعٍ على ما نكتبه.
لكن من بين كلِّ النساء اللواتي كتبتهنَّ، التي تبقى معي بالشكل الأكثر إصرارًا هي البطلة في القصة القصيرة “نعاس” (اختفاء الفيل، 1993). لقد قرأت الكثير من الشخصيات الأنثوية المكتوبة من طرف نساء والكثير من الشخصيات الأنثوية المكتوبة من طرف رجال، لكن إلى هذا اليوم، لم أقابل امرأة أخرى مثل الشخصية في “نعاس”. إنَّهُ إنجازٌ غير عاديٍّ.

موراكامي: تلك القصة نُشرت في النيويوركر. في وقتٍ كنت فيه في الأساس، كاتبا غير معروف في أمريكا. أغلب الذين قرأوها اعتقدوا بشكل واضحٍ أن “هاروكي موراكامي” كان امرأة. لقد تلقيت في الواقع العديد من الرسائل من طرف نساء يشكرنني لكتابتها بشكلٍ جيِّد جدا. لم أرَ ذلك قادمًا مطلقًا.

ميوكو: هل أنا مُحقَّة بأن “نعاس” هي المرة الأولى التي كتبت فيها قصة من منظور امرأة؟

موراكامي: نعم، أعتقد أن هذا صحيح.

ميوكو: ما السرُّ في تلك اللحظة التي جعلتك تريد أن تركز على شخصية أنثوية؟ هل حدث ذلك نوعًا ما فقط من تلقاء نفسه؟

موراكامي: كتبت تلك القصة عندما كنت أعيش في روما. لم أكن على حافة انهيارٍ عصبيٍّ بالضبط، ولكن كنت مضطربا من الشهرة المحيطة بالغابة النرويجية التي كانت الأكثر مبيعًا في اليابان. لم أستطع تحمل ذلك أكثر، وأردت الفرار لعالم آخر. فغادرت اليابان إلى إيطاليا وتواريت عن الأنظار لفترة. لقد عانيت نوعًا ما من الاكتئاب، ممَّا جعل الكتابة مستحيلة. لكن في أحد الأيام، امتلكتُ الرغبة الشديدة لكتابة شيءٍ ما مجدَّدًا، وكان ذلك عندما كتبت “ناس التيلفيزيون”* و“نعاس”. أتذكر أنه كان في بدايات الربيع.

ميوكو: أي قصَّة أنهيت أوَّلا؟ “ناس التيليفيزيون“؟

موراكامي: أعتقد أن “ناس التيليفيزيون” أتت أولا، شاهدت واحدة من فيديوهات لو ريد الموسيقية على قناة MTV، وقد ألهمتني لدرجة أنني كتبتها؛ في الأساس، دفعة واحدة. ثمَّ التفتُّ إلى راوية أنثوية لـ “نعاس”. كانت الطريقة الأمثل للتعبير عما كنتُ أشعرُ به ذلك الوقت. أردت بعض المسافة، ربما حتى من نفسي، ولهذا ذهبت مع شخصية أنثوية بطلة. مما أستطيع أن أتذكره، فقد كتبت هذه القصة بسرعة أيضا.

ميوكو: “نعاس” مذهلة، عدم القدرة على النوم تشبه العيش في عالم لا يوجد به الموت. القلق، تلك العلامة المميزة من التوتر التي لا يُغادر للحظة. إنها المجازُ المثالي لوجود المرأة. أفترض أن الأمر استغرق منك بضعة أيام لتكتبها؟ على اعتبار أنها قصة قصيرة.

موراكامي: أكيد، سأقول أنها استغرقت حوالي الأسبوع لتُصقل.

ميوكو: أعلم أنني استغرقت أكثر من بضعة أيام للتَّمعُّنِ في “نعاس” سطرًا بسطر. أنا حقا لم أقرأ مطلقا امرأة كهذه من قبل. بصفتي إمرأة، كان من المبهج لقاء “امرأة جديدة” في نص، كان الأمر مفاجئا أكثر، لأنه كُتب من طرف رجل. قراءته كانت تجربة رائعة بالنسبة لي.
من بين كلِّ الشخصيَّات النسائية في رواياتك، المرأة في “نعاس” تقف في القمة بالنسبة لي. بصفتي نسوية، عندما وجدت هذه الشخصية، بُنيَ لديَّ شعور بالثقة بيني وبين عملك- وشعور عظيمًا بالثقة بذلك. بمصطلحات عملية، هذا يعني ثقةً في الكتابة، في الكلمات أنفسها… أعلم أنك قمت بترجمات يابانية لقصص قصيرة للكاتبة غرايس بالي، لذا ربما هناك نوع من الاتصال، من حيث كيفية خلق شخصيات نسائية.

موراكامي: لن أقول ذلك بالضرورة، لقد قررت ترجمة أدب غرايس بالي لأنني وجدته حقا مثيرا للاهتمام. لم أكن واعيا حقا بكيفية تصويرها للنساء. عندما كنت أكتب “نعاس”، كتبت فقط أيا ما كنت أفكر فيه، ظانًّا أن هذا ما كانت لتكون عليه امرأة تحت تلك الظروف. تصادف أن الراوية كان امرأة في ذلك الوقت، لم أكن أقوم بأي مجهود واعٍ لاستكشاف العقل الأنثوي.

كامرأة، كان من المبهج لقاء “امرأة جديدة” في نص، كان الأمر مفاجئا أكثر، لأنه كُتب من طرف رجل. قراءته كانت تجربة رائعة بالنسبة لي.

ميوكو: أثناء تأليف شخصية أنثوية، هناك بعض الإضافات التي يمكن استعمالها إرضاءً لتوقعات القارئ، رجلاً كان أم امرأة حول ما سيجعل تلك الشخصية -المرأة- قابلة للتصديق، ولكن هذه القصة ليس بها أي من ذلك.

هاروكي: باستثناء النهاية، أثناء ركنها للسيارة عند الواجهة البحرية بالليل. في ذلك المشهد المنفرد، كنت مدركا بشكل تام أن الشخصية الرئيسة هي امرأة. رجلان يحيطان بسيارة امرأة في ليلة مظلمة ويبدآن في هزها بشكل مستمر؟ لابد أن ذلك مرعبٌ جداً.

ميوكو: سيكون الأمر مخيفاً جداً بالنسبة للرجل أيضاً ، ولكن ربما أكثر بالنسبة للمرأة.

هاروكي: بكل تقدير، كتبت الشخصية لتكون إنساناً، دون أن أعي حقًا أنها امرأة.

ميوكو: صحيح، أعتقد أن بهذه الطريقة في خلق مسافة أمان، مرتكزاً على الانسان – لأن ذلك هو الجوهر، الجوانب الإنسانية للشخصية الأنثوية – هي ما يوضح حالتها كإمرأة، أقلها بالنسبة لي. لم يسبق لي قراءة إمرأة كهذه أبدًا. يالها من قصة رائعة.

هاروكي: إذا أعدنا النظر، أعتقد أن الامر كان ليكون مشابهاً فيما لو كانت الشخصية الرئيسية رجلاً متزوجاً، أما الزوجة فطبيبة أو طبيبة أسنان، وكان الزوج لا يستطيع النوم ويبقى مستيقظاً طوال الليل، يعد الطعام ويغسل الملابس وغيرها من الأشغال المنزلية، مع ذلك أعتقد أن الأمر كان ليكون مختلفا في بعض النواحي.

ميوكو: أعتقد أنه من المهم أن يكون للزوجين ابن، المرأة هي من تلد، وعيها بهذا يمنحها شعوراً باليأس، ذلك الشعور لا يمكن للأب أبدا المشاركة فيه.

هاروكي: هنالك أيضا نوع من الاستياء تشعر به اتّجاه زوجها. أشعر أن هذا النوع من الاستياء خاص بالنساء فقط.

ميوكو: إن ذلك يتجاوز الاستياء، ولكن هناك بالتأكيد شيء ما.

هاروكي: نعم. في بعض الأحيان عندما أتجول في المنزل ، يمكنني الإحساس به. يتسرب إلى الغرفة.

ميوكو: كنت لأختار ذلك التسرب بلا تردد. في معظم الزيجات، الأمر أشبه بالسيل المفاجئ!، أفكر في كيفية تصوير الأب والابن وهم يفعلان الأمور بطرق متشابهة، مثلاً في كيفية تحيتهم لها. لأن ذلك الاستياء لا يتجلى لك بالقدر الكافي ربما، سيتوجب على القارئ معالجته على أنه إحساس لا يمكن إنكاره. إن قراءتها لآنَّا كارنينا هي لمسة جيدة أيضًا.

هاروكي: آنَّا كارنينا. مثال كلاسيكي آخر على الاستياء تجاه الزوج. ربما شعر تولستوي، في حياته المنزلية، بنفس النوع من التوتر يتسرب إليه.

ميوكو: لقد ألفت العديد من الشخصيات الذكورية في حياتك المهنية، في مؤلفاتك المستقبلية هل تعتقد أنه من الممكن أن تكون هنالك شخصيات أنثوية مثل منشيكي في “مقتل قائد الفرسان”، التي كانت شخصية غامضة أوغير مألوفة نوعا ما، شخصية تجعلك تقول “واو!، هذا غير مألوف”؟ أو هل تفترض أن الشخصيات الأنثوية ستستمر في لعب هذا النوع من الأدوار الخرافية، أكثر من وظيفة براغماتية؟

هاروكي: سأواصل خلق شخصيات جديدة تختلف عن سابقاتها، هذا ينطبق على النساء كذلك بالطبع، مثل شوكو أكيغاوا على سبيل المثال، صحيح أنها كانت شخصية ثانوية، ولكن برأيي فقد كانت مختلفة عن الشخصيات التي كتبتها من قبل. هناك شيء خاص بها بالنسبة لي. لدي تلك الرغبة في معرفة المزيد عنها. أشعر وكأني خدشت السطح فقط.

ميوكو: لدي فضول شديد لمعرفة ما كانت تقرأه. ماذا تعتقد سيكون فوق منضدتها؟. أفضل ما وجدَته من روايات هاردبويلد؟ فضولي يقتلني، كمثل عند جلوسها ماسكة لكتاب، ماذا كان عنوانه؟.

هاروكي: من المحتمل أن يكون كتاباً ملحمياً، رومانسية الممالك الثلاث مثلاً.

ميوكو: شوكو تتميز بالعزيمة والإصرار، هاه؟، تمنحك بعض الروايات كل التفاصيل عن الشخصية الأنثى، تسريحة شعرها، ملابسها… كما هو الحال في تشاندلر، حيث كانت المرة الأولى التي نرى فيها امرأة نحصل على وصفها من أعلى الرأس لأسفل قدميها، مما يمنحك صورة واضحة لها. في رواياتك، يميل الوصف إلى البدء بتفاصيل دقيقة حول الملابس. أين تذهب للحصول على معلومات حول ملابس النساء؟

هاروكي: لا أذهب لأي مكان. أنا أكتب ما أفكر به وحسب. لا أقضي وقتي في البحث عن هذا النوع من الأشياء. عندما أقوم بتشكيل صورة شخصية أنثوية، فإن ما ترتديه بشكل طبيعي سيكون مناسباً. على الرغم من أني سأقول…  ربما أكون منتبها لملابس النساء في الحياة الواقعية.

ميوكو: الزوجة في فلم“توني تاكيتاني” (فلم ياباني مبني على المجموعة القصصية، “الصفصافةُ العمياء، المرأة النائمة” لهاروكي)، كانت تعاني من هوس الشراء، أدى بها ذلك لتنتهي حياتها بحادث سيارة. في كل مرة تفكر فيها بالملابس، يرتعد جسدها، ذلك النوع من التفاصيل أعشقه.

أثناء حوارها هذا، بدر إلى ذهني التنوع في الشخصيات الأنثوية التي كتبتها. لن أقول أن جميع النساء يندرجن في فئة واحدة. بالطبع كتابة شخصية أنثوية ليس نفسه جعل دورها مهماً بالقصة.

هاروكي: بصراحة، لا أفهم هده الفكرة التي تدور حول وجود نوع من النمطية. يمكننا الحديث عن النساء اللواتي برواياتي إجمالا، ولكن بالنسبة لي، كل واحدة منهن فريدة بنوعها، فمن منظور أُسسي، قبل أن أراهم كرجل أو امرأة، أراهم كإنسان. لنضع كل هذا جانباً، ماذا عن الزوجة في “الوحش الأخصر الصغير”(اختفاء الفيل، 1993)؟ إنها مخيفة، أليس كذلك؟

ميوكو: صحيح، توجد هي أيضا.

يمكننا الحديث عن النساء اللواتي برواياتي إجمالاً، ولكن بالنسبة لي، كل واحدة منهن فريدة بنوعها، فمن منظور أُسسي، قبل أن أراهم كرجل أو امرأة، أراهم كإنسان.

هاروكي: كنت أستكشف نوعاً من القسوة التي يبدو أن النساء يمتلكنها. يمكنني أن أشعر بها عند تواجدها، ولكن لا يمكنني المطالبة بمنفذ إليها. لا أريد أن أقع في مشاكل الاختلافات بين الجنسين، لكنني أعتقد أن هذا النوع من القسوة نادر عند الرجال. بالطبع يمكن أن يكون الرجل قاسي، لكن أعتقد أنهم يمارسون ذلك بطرق أكثر تنظيماً. يأتونك لسبب منطقي، أو ربما سايكوباثي. أما قسوة النساء فأقرب لتكون أكثر اعتيادية، بشكل يومي. بين الحين والآخر، يمسكونك بلا إنذار مسبق. بشكل مفاجئ، يبدو أن الكثير من القارئات استمتعن بـ “الوحش الأخضر الصغير”.. ربما هذا ليس مفاجئًا على الإطلاق؟  

ميوكو: نعم، العديد من أصدقائي استمتعوا بتلك الرواية. إنها بالتأكيد واحدة من المفضلات لدي أيضًا. كيف يمكنني وصف ذلك. الأمر أشبه في أن الخوف لا يتم تسجيله على أنه مخيف، مما يسمح للقارئ لتقبله كشيئ عادي. إنه نوع مألوف من القسوة.

هوامش

هاردبويلد: نوع من أدب الجريمة.
ناس التيليفيزيون: رواية TV people لهاروكي موراكامي، غير مترجمة للعربية.

الحوار الأصلي.

ترجمة: سماح صلاح، حفصة بوزكري، منال بوخزنة ونصر الدين بلبكري.

تدقيق لغوي: منال بوخزنة.

الصورة الافتراضية
منال بوخزنة
طالبة طب، مهتمة بالعلوم والتصوف.
المقالات: 20

تعليق واحد

اترك ردّاً