سوزان غولدبرغ: يتعلق الأمر بفعل الشيء الصحيح.

بطاقة تعريفية قصيرة:
الاسم: سوزان غولدبرغ.
تاريخ الميلاد: 1959.
مكان الميلاد: آن أربور، ميتشيغان، الولايات المتحدة.
الوظيفة: رئيسة تحرير مجلة ناشيونال جيوغرافيك.

آنسة غولدبرغ، بصفتك رئيسة تحرير «ناشيونال جيوغرافيك – National geographic»، ما الذي يجعل الصحافة قوية اليوم في رأيك؟

أعتقد أن الأشياء التي تجعل الصحافة قوية الآن هي الأشياء التي لطالما جعلت الصحافة قوية: سرد قصص حقيقية عن أشخاص أقوياء، عن أشخاص غير أقوياء، وعن أولئك الذين لا صوت لهم. إنه لأمر قوي أن نسلط ضوءنا الصحفي على أماكن يوجد بها الكثير من عدم المساواة والمخالفات، لأن هذه هي الطريقة التي تُصلَح بها الأمور. فقط عندما يعرف الناس هذه القصص يمكن للأشياء أن تتحسن، ونستطيع أن نحدث فرقا.

كيف تَضْمنين أن القصص التي تنتجينها في ناشيونال جيوغرافيك تحدث فرقا؟ هل هو جوهر القصة، أم يمكن لأي قصة أن تصنع فرقا ما دامت الكتابة جيدة؟

أتمنى فقط لو أن كل شيء ارتقى أو هَوَى بقدر جدارته. لكن أظن أنه أكثر تعقيدًا. نحن نعيش في  بيئة إعلامية معقدة ومزدحمة بشكل رهيب، أين نُقصَف بالمعلومات 24/7. أعتقد أن القصص الجيدة يمكن أن تضيع بين الأحداث الأخرى هناك. لإنجاحها، لا يكفي أن تكون لديك القصة الصحيحة في المقام الأول، بل يجب أن تسردها بالطريقة الصحيحة، بشكل جميل. يجب أن تملك بصريّات مذهلة، وأن تسرد القصة في منصات عديدة. للحصول على تلك القصة، أحتاج مساعدةً من أصدقائي في التواصل والتسويق. ويجب علينا أن نسردها بطريقة تلهم الناس للرغبة في الاهتمام.

قلتِ ذات مرة أن قراءة تقريرين حول Watergate وحرب الفيتنام في شبابكِ أثّرت فيك بعمق لأن كليهما أبرزا كيف يمكن لكشف الحقيقة أن يغير العالم.

نعم، أستطيع تذكر نشأتي خلال ستينات القرن المنصرم. كانت هناك فقط تظاهرات حارقة تحدث كل يوم حول حرب الفيتنام. ثم تجتمع عائلتي كل ليلة على السادسة والنصف مساءً لتناول العشاء ومشاهدة نشرة الأخبار المسائية، ويمكنكِ أن ترى المراسلين في الفيتنام يكشِفون ما يحدث هناك بالفعل وأن تُنَاقِضي التصريحات الصادرة عن إدارة نيكسون آنذاك. وخطر على بالي أن هؤلاء المراسلين، الأشخاص الباحثون عن الحقيقة، لديهم القدرة على تنوير الناس حول ما يحصل بالفعل. وكانت هذه قوة محفزة لي في كل مكان عملت فيه. لا يزال أمر أؤمن به كل يوم، وفي ناشيونال جيوغرافيك، أعتقد أننا نستطيع، من خلال تقاريرنا، أن نغيّر تفكير الناس ونمكِّنهم.

ما نوع الحقائق التي كشفتِها خلال مسيرتك المهنية، والتي تعتقدين أنها جلبت تغييرا للعالم؟

في بعض الأحيان، كان الأمر بسيطا كالحصول على المعلومات التي يحتاجها الناس. عام 1989، عندما كنت محررة جريدة سان خوسيه ميركوري نيوز، ضرب زلزال ضخم سُمّي The Loma Prieta بلغ 7.0 درجات على سلم رشتر. عشرات وعشرات الأشخاص ماتوا وانقطعت الأنوار عن منطقة الخليج، وحرفيا، كان الناس في الظلام. لكن لأننا كنا نملك مولّدات، تمكنّا من نشر صحيفة. التّمَكُّن من إيصال الجريدة ذاك اليوم لمساعدة الناس على فهم أنهم ليسوا وحدهم، إخبارهم أين أصيب أشخاص أو قُتِلوا، وأين كانت الأمور على ما يرام… أشعر أن هذا هو أقصى ما يمكننا فعله كصحفيين: مساعدة الناس على فهم ما يحصل في عالمهم. هذا شيء ظل دائما، دائما، عالقا معي.

ما نوع الحقائق التي كشفتِها عنكِ؟

يا إلهي، لا أدري… جميعها أصعب الحقائق. أعلم أنه يجدر بي على الأغلب أَخْذُ نفس عميق وعدُّها عشر مرات قبل الإجابة. مع تقدّمي في مسيرتي المهنية، أذهلني أنه ينبغي عليّ أن أتكلم أقلّ بدل أن أتكلم أكثر، لأنه يجب عليّ أن أصغي، بالأخصّ لأكثر الأصوات هدوءً. تعلمت أنه يجب عليّ أن أحيط نفسي بالأشخاص الذين يرون العالم بطُرُق مختلفة عن نظرتي لأنّ لا أحد منا لديه الإجابة الكاملة الصحيحة، والاستماع إلى الأشخاص الذين يملكون وجهات نظر مختلفة تماما لأنهم أتوا من أماكن مختلفة ساعدني كثيرا بهذا الصدد.

البعض من أفضل أعمال ناشيونال جيوغرافيك تحت ريادتك وُلِدت من وجهات النظر المختلفة: ثورة الجندر (الجنوسة) 2017، عدد العِرْق 2018 ونساء هذا العام: قرن من التغيير يتبادر إلى الذهن.

قمنا بتغطية رحلة البشر خلال مئة وثلاثين عاما. والتحدي الذي نواجهه الآن، بالطبع، هو أن نغظيها بطريقة عصرية – لا يقتصر الأمر فقط على القصص التي نختار أن نسردها، وإنما على المنصات التي نرويها فيها. وبالنسبة لي، سواءً أكان العرق أو الجندر أو العدد الأخيرة حول النساء، هذه هي اللحظات المناسبة لإجراء هذه المحادثات. نريد فعلًا أن نكون جزءً من هذا العصر، جزءً من تلك المحادثة الوطنية أو الدولية. إذا كنا سنعدّ عددا يتعلق بالنساء، بالطبع، ينبغي علينا أن نغطيه على أكمل وجه، وبأكثر الطرق شمولًا.

كيف حقّقتِ ذلك؟

حسنًا، في العدد وفي كتاب طاولة القهوة الذي نشرناه إلى جانبه أيضا، تحدثنا مع هذه المجموعة المتنوعة للغاية من نساء من مختلف الأعمار، مختلف الأجناس، مختلف الوظائف، مختلف الخلفيات، مختلف بلدان الأصل، جميعهن من أوبرا وينفري إلى نانسي بيلوسي وجين جودال إلى أليكس مورغان، لاعبة المنتخب الأمريكي لكرة القدم. تحدثت معهن عن أفكارهن حول وضع النساء في جميع أنحاء العالم، وما الذي يحتاج إلى التغيير، حتى ملعب النساء، ولكن أيضا عن رحلتهن ونصائحهن للنساء الأصغر سنا. لا يقتصر العدد على عرض كل هؤلاء النسوة اللواتي حققن نجاحا عظيما، ولكن أيضا تمت كتابته وتصويره بالكامل من قبل نساء. لذلك أنا فخورة جدا بهذا العدد، تماما مثلما كنت فخورة بعدد “العِرق”، أو عدد “الجندر” بذات الطريقة.

ثورة الجندر وعدد العِرق أحدثا ضجة عندما تم إصدارهما – اعتبر البعض أن المواضيع المعروضة فيهما، مثل طيف الجنوسة (الجندر)، أو العلم الكامن وراء مفهوم العرق، مثيرة للجدل.

أعتقد أن أحد الأشياء التي تعلمتها منذ وقت طويل في مجال الصحافة هو أنه إذا كنت إلى جانب الحقائق وكنت إلى جانب العلم، نعم، فإن بعض الناس سيختلفون معك، ولكن إذا كنت تملك القصة بشكل صحيح وكنت واثقا من ذلك، فلا بأس. لن يتفق الجميع معك طوال الوقت.

على ما يبدو، من أجل قضية العرق، قمتِ أيضا بإحضار مؤرخ لمساعدتك في “تحضير العدد بشكل صحيح”.

نعم، وفي الواقع أظن أن العِرق كان من بعض النواحي أصعب قليلاً من الجندر أو بعض تلك القضايا الأخرى. أحد الأشياء التي تعلمتها وأنا المحرر هنا، هو أنه في بعض الأحيان كان يخبرني أشخاص ذوي بشرة ملونة أنهم لا يقدّرون دائمًا تصويرنا للأشخاص الملونين، وأنهم شعروا بالغربة أو بالتجاهل. لذا فكرت عندما كنا ندرس كيف يوضح العرق نفسه وننظر إلى العرق على أنه بناء اجتماعي بدلا من كونه بناء علمي، كنا بحاجة إلى البدء في النظر عن كيفية تصويرنا للعرق في ناشيونال جيوغرافيك على مر السنين. ولهذا السبب أردت جلب خبير للمساعدة في استعراض تلك الأرشيفات. من الصعب جدا تغطية نفسك.

هل تقولين أنّ فكرة “القيام بالأمر بشكل صحيح” مهمة جدا في امتلاك الشجاعة على متابعة المواضيع التي لا يتفق عليها الجميع؟

قطعا، من دون شك. كما قلت، تفكرين في قراراتك وكيف سيؤوِّلها بعض الناس، وتعلمين أنه لن يكون الجميع سعداء بها… لذا بالنسبة لي، فإن القيام بها بشكل صحيح يعني أنك قادرة على شرحها للقارئ، أو لمنشور صحفي ربما شكك في قرارك. كيف تفسرين هذا لرئيسك في العمل؟ كيف تُفهمين هذا للناس؟ إذا كنت تستطيعين القيام بذلك بطريقة تعتقدين أنها أصلية، تعتقدين أنها صحيحة، فأعتقد أنه يمكنك أن تكوني شجاعة كفاية للمتابعة فيها. بالنسبة لي، الأمر يتعلق فقط بفعل الشيء الصحيح.

هل كانت هناك عدة مرات في حياتك المهنية أين اتبعت قناعة لم يؤمن بها أحد آخر؟

أعتقد أنه يحدث كثيرًا! لقد بلغت 60 عامًا للتو، لذلك كنت أفكر في هذا الشأن قليلا. وقد أصبح جليا بالنسبة لي أن مسيرتي المهنية قد ظهرت حقًا في هذا الوقت من التغير المجتمعي: لقد كنت أول امرأة تفعل هذا وأول امرأة تفعل ذاك في كثير من الأحيان. لقد اختبرت الكثير منا كونها المرأة الوحيدة في الغرفة لعقد اجتماعات مختلفة ومواقف مختلفة. لقد كان هذا حقا أمر تعاملت معه كثيرًا على مر السنين. أود فقط أن أقول أنه عندما أنظر إلى مسيرتي المهنية، فإن القدرة على القيام بذلك كانت أحيانا تعني التغلب على بعض تلك الشكوك الشخصية التي واجهتها ودفعها، ومتابعة فقط شغفي في أن أكون صحفية، لأن ذلك هو كل ما أردته.

أين وجدت هذه القوة للمواصلة؟

أتطلع نوعا ما إلى الماضي، عندما كنت شابة صغيرة، في بداياتها، وأعتقد أنني حصلت على الكثير من الثقة من والدي. عندما كنت في العشرين من عمري، كنت متدربة صيفية في سياتل بوست إنتليجنسر. في نهاية فترة التدريب، جاء إلي المحرر وقال، “يا فتاة، لماذا لا تبقي معنا هنا كمراسلة بدوام كامل؟” قلت نعم، ولكن بعد ذلك كان علي أن أفعل شيئا مخيفا حقا، وهو الاتصال بأبي، الذي كان أستاذًا جامعيًا في ذلك الوقت، وأقول، “أبي، سأخرج من الكلية وسأبقى هنا في سياتل كمراسلة بدوام كامل”.

ماذا كانت ردة فعله؟

كان هناك ذلك الصمت الطويل جدا… ولكن بعد ذلك قال أبي ثماني كلمات كانت أقل ما توقعته أن يقوله: “هذا جيد لك يا سوزان. نحن فخورون بك”. وأنا أنظر وراءً إلى تلك اللحظة، أعتقد، لم يقل فقط أنه لا بأس أن أفعل ذلك، ولكن أعتقد أن ذلك النوع من التشجيع والتأييد لاختياري أعطاني الكثير من الثقة التي علقت بي حقًا. أنا أنظر إلى تلك اللحظات على أنها محورية للغاية بالنسبة لي. لم أكن أدرك في ذلك الوقت مدى أهميتها، لكن ذلك الإيمان الذي كان لديهم بي وبقدراتي ساعدني كثيرا.

المصدر.

الصورة الافتراضية
عمر دريوش
مدون ومترجم، محب للفلسفة والتصوف.
المقالات: 33

اترك ردّاً