السيناريست الجزائري ومحنة التطبيع مع الشاشة.

ينتعش الإنتاج الدرامي خلال شهر رمضان في الجزائر عكس باقي أشهر السنة، حيث نشهد انعداماً للأعمال الفنيّة طيلة أيامها ممّا يجعل المشاهد الجزائري متشوقاً لمشاهدة أعمال محليّة تعكس خلجاته النفسيّة والأزمات التي يعايشها الفرد الجزائري في يومياته، فهل ينجح كُتاب السيناريو الجزائريون في ملامسة واقع المواطن؟ وهل تغوص إبداعاتهم في عمق الذات الجزائريّة ؟
أعادت رواية الديوان الإسبرطي الحائزة على جائزة البوكر للرّواية باللّغة العربيّة ترميم بيت الرّواية الجزائري، مستندة إلى دعائم قوية في وصولها إلى القمّة على غرار: رواية حطب سرايفو لسعيد خطيبي، رواية زنباية الصادرة في قطر لليامين بن تومي، وسلالم ترولار لسمير قسيمي.
وغيرها من الروايات التي لمعت أسماؤها في الساحة الجزائريّة إذ لا يخفى على أي مطّلع في هذا المجال حجم المنافسة الحاصلة في مجال كتابة الرّواية في هذه الفترة من الزمن، ممّا سمح بخلق سباق غير مباشر ساهم في تحسين جودة الأدب الجزائري بنسبة معتبرة، ومن هذا المنطلق أعتقد بأنّ القارئ الجزائري قد وجد لنفسه مادّة خام من الإنتاج المحلي لتطوير ذاته والتّعرف على مجتمعه من خلال النّص، فالأدب يعتبر انعكاساً مباشراً للمجتمع بكلّ جوانبه، والمعروف عن الرّواية أنّها تصور لنا عوالم طبقات المجتمع وأسرارها، فالرّوائي عندما يكتب فهو يطبق وعده الذي التزم به للقلم على أن يقول الحقيقة ولو بطريقة غير مباشرة، تكافؤ الرّواية العالميّة الناجحة بالتّرجمة لعدّة لغات وتحول إلى فيلم سينمائي يُدر ملايين الدولارات للدولة المنتجة، أمّا الرّواية الجزائريّة الناجحة فتُقبر بعد عدّة شهور من نجاحها، إذ يقتصر الاحتفاء بها على التهاني في وسائل التواصل لعدّة أيام وفقط. وعلى الرّغم من كل هذا التهميش الذي يطالها تبقى الرّواية الجزائريّة تصنع أمجادها في صمت رهيب.
بعد نجاح الأدب الجزائري في افتكاك الصدارة العربية في الفن الرّوائي استغرب الجزائريون رداءة الأعمال الفنيّة التي تبث في الشاشة الجزائرية هذا ما دفعنا إلى التساؤل حول أسباب هذا الضعف والتقهقر، الجلي في الأمر هو الشرخ الموجود بين الواقع و نصوص هذه الأعمال فقد جاء في كتاب ألفريد هتشكوك عن السينما ” نحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية لصنع فيلم جيد السيناريو و السيناريو، السيناريو”.
في الأعمال الجزائرية يبدو الأمر مبهماً وغير واضح حول الأسباب التي أدّت إلى فشل السيناريست في نقل الواقع بطريقة إبداعيّة وقريبة من المجتمع تجعل المشاهد يرى نفسه في أعمال إبداعيّة ناجحة فكل الأعمال التي أصابت قلب العائلة الجزائرية بكل مصداقية دون زيف أو تكلف ذاع صيتها واشتهرت طيلة السنوات الأخيرة وحفظت مكانتها لدى المشاهد الجزائري الذي كلما أراد الاستمتاع بأعمال محليّة يلجأ لفتح خزانة التّاريخ ويعود إلى الزمن الجميل؛ سنوات الثمانينات والتسعينات، كل هذا الانهيار في كتابة السيناريو جعل بعض الأسئلة تطفو إلى السطح: هل تعيش الدراما الجزائرية معضلة حكي؟ وهل تعود أزمة السيناريو إلى غياب كاتب متخصص في الميدان؟ وهل يحتكر المخرج كتابة السيناريو؟
أغلب الأعمال الفنيّة الجزائريّة التي يقتصر إنتاجها على شهر رمضان تجذب المتابع الناقد إلى طرح هذه الأسئلة الباحثة عن بؤرة الفشل التي لزمت الشاشة الجزائرية التي تتحمل جزء من الآفات الاجتماعيّة التي يسَوّق لها من خلال هذه الأعمال من عنف وتحريض وإجرام محاولة عكس مفاهيم القيم والمبادئ فيما يشبه تضليلاً للأخلاق السامية _سواء عن قصد أو غير قصد_ هذا ما سيستوجب على السيناريست الاعتماد على علماء الاجتماع من أجل تصحيح المفاهيم للانطلاق في خلق عملٍ إبداعي واضح الرؤية لا ينتهك المبادئ والأخلاق.

ماهي الأسباب وراء ضعف الحوار في فنون الشاشة الجزائرية ؟

يمكنني إعطاء إجابة على هذا التساؤل بسؤال مُلِّح :هل يقرأ السيناريست الجزائري؟
إنّ إدراك ذروة الإبداع الأدبي يستدعي من الفرد أن يكون قارئاً نهماً لكبار العقول والمفكرين، فالوصول إلى سيناريو جيّد على سبيل المثال يستدعي من كاتبه أن يكون ملماً بالأعمال الإبداعيّة وقارئاً لها وهذا ما سيلاحظه المشاهد في عمله الذي سيكون إنتاجاً مؤثثا بالمعرفة والأصالة الجزائريّة، وستغيب عنه الهفوات الكاشفة لضعف اطّلاع الكاتب على الأدب الجزائري والعالمي كذلك، فلا سبيل إلى تطوير الذات في مجال الكتابة بمختلف تخصصاتها إلاّ بالقراءة.
وما دمنا نعيش انحطاطاً في جودة الإنتاج الإبداعي الذي يعرض في الشاشة الجزائريّة فهل يمكننا ردّه إلى عدم اهتمام كُتاب السيناريو بالقراءة وقلة إقبالهم عليها؟
جذب انتباهي العائد المادي من كتابة السيناريوهات وهذا ما جعلني أتساءل حول أمر يتجنب العديد من النقاد طرحه والخوض فيه، هل الغاية من كتابة السيناريو الإبداع أم مجرد حرفةٍ مُمتهنة ٍمن أجل لقمة العيش؟
و في هذا السياق تصادفت مع العديد من الإعلانات التّجارية التي تدعو إلى دوراتٍ تدريبيّة في كتابة السيناريو مع شهادة نجاح مقابل مبلغ اشتراك في مدّة زمنيّة قصيرة، ومن المرجح أن تكون هذه الأفعال التّجارية أحد أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار مستوى السيناريو الجزائري، فمحلات الإبداع السريع المكلل بالشهادة تمنح دفعاً معنويّاً زائفاً لهواة الكتابة من أجل خوض غمار كتابة السيناريو معتمدة على أساس وهمي وزائف يجعل العديد من الشباب يقفون في مواجهة فشل قاتل للشخصيّة، وفي نفس السياق تخلق الوساطة بين السيناريست و المنتجين هفوة قاتلة للسيناريوهات المبتذلة والفاشلة، فالمحسوبية تساهم إلى حدٍ كبير في تهميش وقتل الأعمال الجيدة لحساب أعمال رديئة الهدف منها الحصول على العائدات الماليّة، هذه الممارسات المُخجلة تكون لها نتائج وخيمة على العمل الإبداعي والمجتمع.

ما الهدف من تمييع الشاشة؟

قذف وشتم وعنف! وعادات غريبة على العائلة الجزائرية، وغيرها من الرّسائل التحريضيّة التي تدخل بيوتنا عن طريق الشاشة دون أن نأذن لها أدّت إلى غثيان إبداعي لا يمكن للمشاهد تحمُله والذي اعتزل بدوره مشاهدتها فاراً نحو إبداعات عالميّة وعربيّة هادفة تُفقد الإبداع الجزائري جمهوره ومتتبعيه، هذا ما يؤكد الحاجة الماسّة إلى دراسة معمّقة للخلفيّة الثقافيّة لكُتاب السيناريو قبل إطلاق مفاهيم كالإبداع والفن لادّعاء العمق والتغاضي عن جوهر القضيّة
فما هي الخلفيّة الثقافيّة لكُتاب السيناريو في الجزائر هل هي ذات بُعد عالمي أم محلي؟ وهل يكتبون من أجل الفرد والمجتمع أم من أجل الوطن، أم من أجل فلسفة خاصة بهم، أم من أجل الإنسانيّة؟ هل يكتبون من أجل الموروث الثقافيّ الفنيّ والعلميّ أم يكتبون من أجل الدّرهم؟

تدقيق: ميّادة بوسيف.

الصورة الافتراضية
Noreddine KHENICH
المقالات: 0

اترك ردّاً