الاتفاق على وقف إطلاق النار (1)

أعراض النوم؛ نماذج ليس لها سبيل!

التصدير بالمُقدّمة…

عِندما أفيق في مسلك الصباح، أتذكر أن هجوعي قد دوّي بالأحلام. ثوانٍ معدودة أفتقر على خطّها عّد العوالم التي أرتئيها، لأُسارع إلى جلب ورقة وقلم، وإن لم يتسنَّ لي أحدهما من سوء الحظ، حينها أحمد الله شُكرا على قلم الكُحل الذى حفظ مقامي وأدمغُ بسواده لوح المرآة؛ كي أضيف على وجه السُرعة، عنوانَ الحِلم، تأريخَ يومه ومضمونَه إن وُجد، إفراغَ ما تبقّى مِن لُهبِ العقل الباطن عن حلّة الرأس، الدّافعَ وراء إرساله، وهل يواكب الحِلمُ أسطوانةَ أحداث فيلم الرُعب الذى لم أجرؤ على إنهائه.. وغيرها من التساؤلات التي يحِق لها أن تُقيم دُوَلا تهوى نظريات المُؤامرة، وعلى وجه آخر تُسقط حضارات جافة مسرحها “خيال مآتة” الواقعَ الشحيح، لتُبيد تساؤلاتي التي يعدّها الآخرون بأنها لا وجهٍ لها من الصِحة، هذه الحضارات عن بكرة أبيها.

وكلّ ذلك فِديةٌ لحبس عوالم الحلم الذى تلاشى دون أن يقرع ناقوسَ الخطر. وحين الوصول لنقطة تخشاها قوات العدو، عِند التّقدم الذى أحرزُه بتسجيل نقطة في حبس رهينة من الحُلم؛ أجد الطّقس المُناخي للاستثمار في التّحري دون توري عن بقية تلك التفاصيل التي هوت بفعل الرياح السّموم _عافانا الله وإياكم.

لأتذكر -بعد أن أعددت مُذكرات جديرة بسيناريوهات مُحتملة للوصول إلى سِدّة الحُكم- أنني لم أسمح على نسيان فسيلة من وحي شيطان إن كان حلمًا، أو زوبعة من لدُن عقلٍ باطن قد صاح على ملء المخزون، وقبل الأخير إن كانت رُؤيةً مُهداة لإنارة طريق من دعوة أحباب، أو إن كان في مِسك الخِتام جواب رد وهمي، مُرسلٌ من فتاة شابة مُتألقة بالحياء على عشرات رسائل البريد العنكبوتي التي مفادها مُغازلة لطيفة معها ليس إلا!

وفي معيّة البحث داخِل معدة الأحلام، تدفعني أعضاؤها النشطة أولاً لتصدير نماذج تُعرّض حياتي للخطر -رغم أنها من أضغاثه. فما وجه من دفعني للتو للسقوط من شاهق، حتى جعلني جوار فضاء مُظلم، لا أري فيه أسطحاً مٌنبسطة لتستقبل جسدي المُعلق من انعدام حالة الجاذبية، لأترامي هكذا نتاج الهواء الذى يُحركني، إلى أن أظل في تِلك الحالة، ليبعث عقلي على وجه مُتأخِر تحذيراً عن حالة الطوارئ المٌنتظرة، يُجسدها مبدأ يتعامل معه الجميع على أنه من قبيل الاستثناء، حين يُقابلني سطح ما، ما عليه سوي أن يستقبل جسدي.. إلا أنني في كل مرة أستيقظ فجأة بحثاً عن ماء، قبل أن أصطدم به!

هذة الصورة الماضية بالتأكيد مرت على أحد غيري، إن لم تكُن للغالبية العُظمى، إلا أنني لن أتنازل عن النظر تجاه ملامحها؛ لذا علينا أن نُحزم أغراضنا للتأهُب والإقلاع عن سماء الواقع؛ لأجل الهبوط بداخِلك ولأريك مدى الخطورة الخاصة التي تحدق بنِا، ومن يقف وراءها بعينين بارقتين.

استغرقت قطيعة ساعات الصباح في الوصول إلى آلة تستطيع إيواء زئير الأحلام -رغم أن كومة الأوراق قد حوت في جعبتها تفاصيل مُضنية على الباحثين، التي تجعل الباحث فيها مُهدِراً للأعمار؛ فما كان علينا إلا التوقف عن مُسايرة السِباحة مع التيار، والانقطاع قليلاً؛ للذهاب نحو إعداد كوب من القهوة للتدبر فقط فيما وراء أسفار الأحلام وخباياها. 

وقد ظننت بعد حفنة من مشروب القهوة، بأنني أديتُ ما عليّ، تجاه البحث عن هوية من دفعني مِن الشاهق، لأستيقظ قبل أن تقصع جسدي الأرض وتوزعه إرباً مع كنوزها! إلا أنني لم أعُثر عليه حتى أُدينه. ولم أجد أيضاً إجابة للسؤال السحيق في ضالة استيقاظ المرء قبل أن تلحق به المخاطر أثناء النوم! فمن كان الطارق الذى جعلني أستيقظ قبل لحوق المخاطر؟! أم هي مُجرد خاصية تِلقائية تدفعنا لتنفس الصعداء قبل مجيء الهلع؟! بالتأكيد لا أجد سوى مٌبادرة لعقد مُؤتمر للاتفاق فيه على وقف إطلاق النار – مع عقلي الباطن!  

وهناك أسئلة لابُد أن تُوجه: لماذا يسمح لنا العقل الباطن – وهو الجدير بالثقة بأن ندعوه باللهو الخفي – على رسم خريطة مُوزعة تكون منسوجة في صورة عبر حلم، مع أنه في الأصل مُتداول في مخزونه؟! فهل يُعيد ترتيب أوراقه لينفُض عنه النفايات، أم أنه سئم من قيادة الوعي المُسمّى بالعقل اليقظ؟!

وهل يُشكل العقل الباطن أسلحته الضارية من مُستخلص الحقائق، أم يُلبِس علينا بأوهام تخفف عنا حِدة الواقع؟ وهل يُمكن أن تُوكّل عجلة القيادة له ليُري العالم أطيافًا من الجنون الغير المُحتسبة، وما دخل العقل الباطن من باب أولى -الذى يُطلق عليه: اللاوعي- بتشكيل الوعي؟

وغيرها من الأسئلة، من مُنطلق الأقاويل على أنه “الشيطان المارد المُفضّل للأدباء” وأنه هو من وراء كتابة السطور، خاصة هذه السطور! لأنه من يُطلق عليه الموجة الحركية لكومة قش المعارف والتجارب؛ وأنه المُحمل عليه نكاية من الأصحاب الذى ارتكبوا جرائم لن ترى دخل لها بالتوازي، في تناسب قانون العقوبات تجاهها!

ومثالاً لتلك الحالة الأخيرة، يستيقظ الأب فجأة ليأتي بسكين يحمله، بعد أن أخذه من موقعه، ليرجع بحثاً عن هدفه المُتمثل في زوجته وأبنائه، حتى تصبح الطعنات التي أسقطت عليهم، تراها تفوق المائة، ليفر بعدها بالهروب، وحين العثور عليه، يمثل أمام المحكمة حاملاً على الإدلاء بقوله تجاة الحادثة، بأنه لا يعلم عنها شيئاً، وكان آخر شيء يتذكره، أنه قاده العقل الباطن، حينما كان غائراً في النوم. وتسمى تِلك الظاهرة بحوادث “السير أثناء النوم”!

والأمثلة تفوق الحصر بتنوعها، فما أجد هذا إلا تصدير لقضايا أراها -بقِصر ثقافتي شامِلة- نحتاج للحُكم فيها لممرات قاعات غير المحاكم، وأزقة أخرى تواكب مجال الحكي، وقُضاة آخرون لا يبنون الحُكم إلا على ما قُدم أمامهم من أوراق، تحمل معها أدلة مادية تكون أهلية كاملة للحُكم؛ فسنحتاج إذن أن يتقاعد عنا الغرور القاتل لسد نوافذ الرأي الآخر، والتجرد من البحث التقليدي في اللجوء لفلاسفة خانوا عقولهم حينما علموا أنهم قدموا تحليلاً وافياً للإنسان؛ الذى يُعد وفقاً للكائنات الأخرى (عجب العُجاب).  

كل هذه أسئلةٌ لا زالت نشطة تعقب كُل حلمٍ لي، تجعلني أتوسل لوقف إطلاق النار؛ لذلك سأسعي جُهداً لإجابات منطقية بإسقاطها على أمثلة خصيصة أنتجت من وقائع نومي، لنبحث عن التفسير، من خلال أعداد صُحف ناشِرة نرجئها لمواضيع لاحقة تتمسك بهذا العِنوان؛ فنار أحلامي لا زالت تكوي واقعي.

وللحديث بقية إن رُزقنا ربيعاً من العُمر. وتمهل على الهلع الذى سيجعلك تفيق من نومك؛ لتستجير شخصاً آخر في مُعتقدك، لا تود فقط سوى ألا تبحث عن شُبهة بينك وبينه، أو في أن تجد مآرب أخرى لقتله، لأنه وببساطه لن ينفصل عنك، ولا يُمنح لك سوى أن تتفق معه على اتفاق وقف إطلاق النار لحين مؤجلة، حتى تُخرق القواعد بواسطته، عِندما تسبح في أمواج الموت الصغير، التى تنتعِش بعد أن تكون غريقاً في النوم، أو حتى في اليقظة، فأمواجه الحركية لا تُُفرِق بينهما!


الصورة الافتراضية
Mohamed Ali
المقالات: 0

اترك ردّاً