الاتفاق على وقف إطلاق النار (2)

تتنوع الأسباب التي تمطر الإنسانَ بخيبات أمل حتى تُغرقه، سواء كان مردُّها أناساً آخرين، أو كانت أهدافاً موضوعة من قِبل الشخص ذاته، خلقها رجية رسم أحلامه، إلا أن إرادته لم تكُن بالأهلية الكافية ليعوّل عليه في نهاية المطاف على تحمُّله الجلد، أو أنه -وللأسف- كان لواقعه كلمة عُليا قبل أن تُبرز معالم لأحلامه داخِل مسرح الدُنيا الكبير.

حين تجتمع كل هذه الخيبات التي تتعلق بشخص المرء، أو بغيره -حينما يطرأ عارضٌ من الآخرين لإيقافه- ستجد الخيبات جميعها تتسم بأنها تُؤخر تقدمه، وقد تحول بين ما يُريد أن يُحققه مُجدّدا مما يجعله يرفع الرايات البيضاء استباقاً؛ فيفوّت على نفسه مُحاولات إعادة تمثيل أهدافه في المُستقبل، وتِلك قد تُعد فرصة ثمينة لكننا وقّعنا على إطلاق سراحها. فنجد -عِند إعادة شريط الفُرص الضائعة- أننا كُنا مّن وراء هذه الخيبات!

هذه المُقدمة السابقة، أو أن نجعلها اللافتة، ستجد في جعبتها أنماط الفشل والنجاح الصرف، مهما شاء البعض أن يحمل من أوزاره على غيره. وقد أتبعتُ بالصّرف؛ لأنه مهما كانت الظروف مواتية للشخص لتحقيق النجاح، إلا أن الظروف والبيئة المحيطة ليست عامِلَ حسمٍ يترصده من يتطلع للأُفق؛ فكون عامل الإرادة غير مُبيّت سيؤدي لتطاول هذه الظروف والبيئة عليه التي كانت أليفة له باللوم نهايةً.

وقد نسيت أن أعقّب على كلمة الصرف، ومغزاها: أن نجاح الشخص في أمرٍ ما نابعٌ من إرادته الصرفة التي توجهت للحِراك تجاه ما أراد، وكذلك فشل الشخص في أمرٍ ما فهو نابعٌ من إرادته الصرفة التي لم تتوجه إلى الحِراك تجاه ما كانت حتى تدعوه إليه الظروف والأحوال.

وبالتالي فمخزون الشخص -ليس ما نعنيه هُنا الذاكرة النشطة ولكنه “العقل الباطِن”- سيمتلئ بالأشياء التي كان مرهونا لها بتحقيق النجاح، والعكس أيضاً صحيح في أنه سيمتلئ أيضاً بالأشياء غير المرهون لها بتحقيق النجاح، وهذه الهزمات لا ترجع إلا على مدى قُدرات الشخص وتماسُكه. فما ينظُر العقل الباطن فيما نريد أو يعبأ لنا فيما لا نريد، بل يُحزم أسلحته ويُروض من عطائه لنا في كُل ما حققناه على أرض الواقع، وليس إلا هذا! أي لا دخل له في عامل النية تجاه الأشياء، أو حتى للنظر أو التخيير في مُفاضلتنا بينها، بل يُعيرنا انتباهه في ما اعتدنا تحقيقه دوماً، ولأن المخزون لا يعبأ سوى على المساحة غير الشاغِرة به!

وهكذا كُل عادة في أيامنا، ستجدها مُتداولة في السِعة المُتبقية دائماً داخل اللا وعي (العقل الباطِن)، ولو كانت عادة مُكتسبة جديدة؛ فمع تِكرارها ومُمارستها ولو على غير انتظام، ستجد لها أرشيفاً خاصاً لتلك العادة بمحاوِرها كافة، داخِل مخزونه، فيدفعك إلى مُمارستها بصورة تِلقائية لتبدو وكأنها وحياً من السماء، أو كما يُحِب الجميع في رواية أخري، أن شخصاً بداخِلك ظل يُراقبك حتي قادك فيما كدت أن تفعله.

على سبيل المِثال، لو أتيت بكاميراً تُسجل لك حينما تشعُر بالجوع، فبعد أن تنتهي ستُبصِر في الشريط التسجيلي أنك قدمت للطعام بصورة لا تجعلك تُفكِر في كيفية تناوله _إلا إذا كُنت قد دربت نفسك سابقاً على حبس الجوع مُؤقتاً؛ لتعتدِل في جلستك، ثم تستهل بالتسمية. وقد يدفعك الأمر أن تنتظر لحين أن يمُد الكبير أولاً يده نحو الطعام، فكل هذه التعاليم السابقة أو العادات هي تدريب مُتكرر قد اعتاد عليها عقلك الباطن أن يفعلها دون حتى أن تُفكر في إعادة مُزاولتها أم لا!

ويبدو لك أن شبحاً قد جاورك، وقد وصل به الأمر أن يتمثل دون أن يقرع باباً لتأدية دورك، وأن يقوم مقامك؛ مِما دفع الكثيرون للحديث عن آخر مُستجدات القوى، التي ستجعل فرداً ما يقوم مقام آخرين حينما يصبح العقل الباطن جُنداً مُسخراً لك.

وتكمُن الخطورة في عاداتك القاتِلة، فرحب معي بالآتي:

– مِن الرحمة أن الخطيئة تُمحَى ولا يبقي لها أثراً، وإلا ستُسد علينا منافذ الإصلاح، فمن المُمكن أن تُؤديها مُجدداً حتى تقوم مقام العادة الدورية. وحين التوصُل لذلك فما أصبحت خطيئة بعد، بل يجب أن يُلاصقها كلمة كُبري، ولن يتنازل عنها وصف (خطيئة كُبرى) إلا بعد أن تكتسب بطريقة أو بأخرى عادات مُضادة لها؛ لهذا تظهر حِكمة وجود جانب الخير والشر وصراعهما في قالب قلبٍ آدمي.

– العادات الدورية تكتسب صِفة المركزية، فيكون لها مقاماً ودوراً تلعبه في إزاحة عادات أخرى بشرط أن تكون قد توقفت عنها حتى وإن كانت لا تزال ماكثة في بطون الذاكِرة.

– العادات قد تجتمع بصورها داخِل عقلك الباطِن، فتارة قد تُمارس في يومك عادة حميدة، وأخرى غير حميدة؛ فيجتمع التضاد؛ لأنه قد نشأ في كُل كرّة أصبحتَ فيها ممارساً، وما هذا إلا ترسيخ وتلقين على تحريك شبح (العقل الباطِن) لا تعلم عنه شيئاً بأن يقودك عِندما تجتمع مِثل الظروف التي كُنت عليها والأحوال.

لهذا مِن الأحرى أن تجعله طواعية لك، وطوق نجاه يمنحك مخرجاً في فصول تخشى فيها رياح ما اجتلبت لك – كما كان في الماضي؛ وتِلك هي فدية لمعتقدات وعادات خاطئة كُنت قد شكلت نفسك عليها، فتصدها بما تريد أن ينزع عنها رداء الشرور والشطط باكتساب تعاليم أخرى.

من أجل ذلك تحدث الجميع عن تسخير قوة عقلك الباطن؛ ليقوم بدور جني لا تراه الأعين، بل تتوافق على قواه الخارقة للعادة الرُؤى!

وللحديث بقية وبقية؛ خشية الإطالة.

الصورة الافتراضية
Mohamed Ali
المقالات: 0

اترك ردّاً