Peppermint candy

Peppermint candy، أو حلوى النعناع هو فيلم كوري جنوبي من إخراج لي تشانغ دونغ، تم إنتاجه عام 1999 وحاز على العديد الجوائز من ابرزها جائزة الـ – غراند بل ( جائزة السينما الكورية ) كأفضل فيلم كوري لعام 2000.

يسرد الفيلم قصة حياة يونغ هو والظروف التي قادته إلى الإنتحار، مما يميز الفيلم أنه يبدأ عند النهاية وينتهي عند البداية، إذ يفتتح الفلم بمشهد انتحاره ثم يعود بالزمن 20 سنة إلى الوراء مقسمة إلى 5 مراحل نفهم من خلالها سبب إقدامه على إنهاء حياته وهو فاتح ذراعيه للقطار حتى يدهسه.

يقف الفلم على الأحداث السياسية والاقتصادية التي مرت بها كوريا الجنوبية وتداعياتها على المواطنين، كما يعرج على قضية عسكرة المجتمع وكيف نسجت سنتين من الخدمة العسكرية سلوكيات أفراد المجتمع في تلك الفترة متجسدة في شخص يونغ هو، لكن دون أن يجعل من القصة فلما وثائقيا سياسيا مملا، الفلم يمثل بشكل ممتاز العنف الناعم الذي يتعرض له الفرد في مجتمع رأسمالي محافظ.

افتتاحية الفلم

يفتتح الفيلم بمشهد يونغ هو وهو يمشي مترنحا بالقرب من النهر، وبالرغم من هندامه المرتب إلا أن مشيته توحي بالجنون، ويتضح هذا الجنون أكثر حين يلتقي بأصدقاء الثانوية بعد 20 عاماً في حفل لم الشمل، بعد ترحيبهم به وجلوسه معهم يبدو عليه عدم الاستقرار النفسي والاكتئاب فيصرخ بأحد زملائه بلا سبب ويشرع بغناء أغنية من الكلاسيكيات الكورية التي تعرف بالإنجليزية بـ what should I do” بطريقة غريبة وهو يبكي ويجبر زملائه على مشاركته الرقص ثم يتجه وهو مستمر بالصراخ المتقطع عابراً النهر نحو سكة القطار بينما يترجاه أصدقاؤه أن يعدل عن فعله، لكن الأوان قد فات، يبسط يونغ-هو ذراعيه أمام القطار – صارخاً بأعلى صوته: أريد أن أعود!

أين يعود؟ ولماذا يعود شخص في أقصى مراحل اليأس والكآبة؟ لم كل هذا؟ تأتينا الإجابة عن طريق العودة في الزمن إلى الوراء حتى نرى كيف صار إلى حالته تلك.

الكاميرا

3 أيام قبل الحادثة، ربيع عام 1999،

يتصادف هذا القسم مع أحداث أزمة صندوق النقد الدولي عام 1999 والكساد العام في الاقتصادات الآسيوية ولاسيما في اليابان وكوريا الجنوبية، رمت تلك الأحداث بطبيعة الحال بتداعياتها على مواطني كوريا الجنوبية، متجسدة هنا في شخص يونغ هو، فتماما مثل وطنه، يخسر كل شيء، ماله، وعائلته، وأصدقاءه، وأحلامه، وحتى رغبته في العيش.

يشتري مسدساً رغبة في إنهاء حياته، لكنه لم يرغب في الموت وحيدا، ففكر أن يقتل من تسبب في دمار حياته، لكن من يقتل! هل يقتل شريكه في العمل الذي هرب سارقاً ماله؟ أم زوجته، أم ابنته؟

يلقي بطلنا هذه التساؤلات في لحظة انهيار نفسي أثناء زيارة زوج حبيبته السابقة سونيم إلى المكان المهترئ الذي يعيش فيه. قدم سائلا إياه زيارتها في المستشفى بطلب منها إذ كانت تحتضر .. لكن كان الأوان قد فات، فقد دخلت في غيبوبة أخرى وشرع في البكاء عند زيارته لها وهو يتحدث عن أطلال ذكرياتهم القديمة، عن الحلوى التي كانت تهديه إياه في رسائلها له وكيف كان يجمعها.

وقبل مغادرته أهداه زوجها الكاميرا التي كانت قد اشترتها له، تلك التي باعها لاحقاً بثمن بخس، والتي مثلت سابقاً أحلامه وطموحه في أن يصبح مصورا، ذلك الحلم الذي سحقه الواقع.. في هذه الجزئية من الفلم سنحزن ونتأثر، لكن دون اكتمال الصورة لن تعلم إن كان بطل القصة يستحق ما حدث له أم أنه مجرد ضحية.

الحياة جميلة

صيف عام 1994.

تقع هذه الأحداث خلال ذروة الازدهار الاقتصادي في

كوريا الجنوبية، فترة النمو الاقتصادي والحريات. نرى يونغ-هو وتبدو عليه ملامح القوة والصرامة والصلابة، بعد أن أصبح يعمل في التجارة والبورصة، وله أسرة مكونة من زوجة “هانجا” وابنة صغيرة “سيمين”، فكان منشغلا في جمع الثروة وخيانة زوجته مع إحدى الموظفات.

يفتتح الجزء بمشهد حديثه مع محقق مستقل عينه لمراقبة زوجته بعد أن اتضح خيانتها له مع أحد العاملين لديه، فيوسعهم ضربا بعد أن يعثر عليهما معا، ثم يقطع الفلم إلى مشهد جلوسه في منزله مع بعض الضيوف وعائلته في أجواء متوترة مشحونة وقبل أن يبدأوا الأكل تطلب الزوجة الصلاة قبل الشروع بالطعام تتمتم بالدعاء وهي تبكي بحرقة ندما على ما فات أو خوفا من الآتي. فيغادر الزوج على حين غفلة، ولعلها كانت دون عودة.

اعتراف

ربيع 1987.

كانت كوريا الجنوبية حينها تشهد مظاهرات طلابية عارمة عقب الإعلان عن الجنرال روه تاي-وو بكونه المرشح الرئاسي التالي للحزب الحاكم وهو القائد المسؤول عن مذبحة جوانغجو 1980 التي أطلق فيها النار على أكثر من 100 متظاهر من قبل الجيش.

كان سونغ هو في تلك الفترة محققا متوحشا صارما، فاقدا الرأفة والعطف، فيعتمد أبشع وسائل التعذيب دون أن يرف له جفن وتلاحظ ذلك في تعذيبه لأحد الطلاب النشطاء بكل وحشية، كان في تلك الجزئية قد تحول إلى جثة متحركة متجردة من المشاعر الإنسانية، ولعل إحدى تجليات ذلك تمثلت في إهماله لزوجته وتركها حين ولادتها مفضلا الجلوس مع رفاقه في العمل الذين لم يكونوا يقلون قسوة واستهزاء عنه، فقد تسربت قسوته من حياته العملية حتى شملت بيته وعائلته.

يتركنا المخرج نتساءل أكانت خيانة زوجته له خطأه ونتيجة لتصرفاته؟ هل استحق كل ما حدث له لاحقاً؟ أهو المذنب أم الضحية؟

صلاة

خريف 1984.

بالعودة إلى تلك الفترة نرى سونغ هو كضابط شرطة بعد عودته من خدمته الإلزامية في الجيش خلال مجزرة غوانغجو، فيتضح أنه لا يزال متمسكا ببعض من طيبته، وفيه شيئ من الرأفة والرحمة، إلا أن ذلك لن يستمر طويلا.

ففور انضمامه إلى جهاز الشرطة يرمي به زملاؤه إلى أولى محاولات التحقيق التي لم تكن عادية، بل كانت عبارة عن سلسلة من عمليات تعذيب وحشية، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الشخص الذي كان عليه، كانت تلك اللحظة التي خسر فيها نفسه، و تجرد من إنسانيته.

تأتي حبيبته السابقة، وتلك كانت المرة الأخيرة التي يراها فيها قبل أن يزورها وهي تحتضر، وتجلس معه لاستذكار الماضي والحديث عن أحلامه وطموحاته عندما كان صغيراً.. ثم تهديه الكاميرا التي قد اشترتها له بعد أن أخبرها منذ سنوات أنه كان يطمح بأن يصبح مصوراً، ذلك الحلم الذي وئد في مهده، لكنه أعادها إليها، فقد فات الأوان وضاعت أحلامه و تلوثت يديه..

زيارة للجيش

مايو 1980.

تدور الأحداث هنا خلال فترة خدمته الإلزامية في الجيش خلال مجزرة غوانغجو. يفتتح القسم بمشهد زيارة سونيم له في المعسكر، إلا أنها تمنع من مقابلته.

ثم ننتقل إلى مشهد استدعاء الجنود خلال مجزرة غوانجو والمظاهرات الطلابية، فنشاهدهم وهم يركضون مسرعين وهناك تعرض يونغ لإطلاق نار في قدمه جعله لا يقدر على الحراك، وبينما يجلس وحيداً في الظلام يتراءى له من بعيد وحي فتاة ظن أنها سونيم في البداية إلا أنها كانت طالبة ترجته أن يسمح لها بالعودة إلى بيتها فيطلب منها الإسراع بالعودة قبل أن يراها باقي الجنود. لكنه يطلق النار عليها بالخطأ، فيحتضن الجثة في حالة هستيرية وهو يبكي.

لعل تلك الحادثة كانت الحدث المحوري الذي غيره إلى الأبد، انطوى عليه تحولات نفسية كبيرة انعكست على حياته ككل..

نزهة

خريف 1979، مشهد النهاية هو البداية،

نرى مجموعة من الطلاب في نزهة، ويونغ هو وهو شاب يافع يمشي إلى جانب النهر مبتسماً، والسعادة والرضا باديان على ملامحه، تنضم إليه سونيم ليتحدثا بخجل ويبتسمان لبعضهما البعض، في مشهد يشع أملا وحياة، بينما يخبرها عن رغبته في أن يصبح مصوراً وكيف أنه يعشق الطبيعة، وعن الأزهار التي يرغب بتصويرها.. ثم ننتقل إلى مشهد جلوسهما مع بقية أصدقائهما وهم يغنون أغنية what should I do نفسها التي غناها في بداية الفلم، ولكن هذه المرة بنبرة رضا وبلحن سعيد.

الرمزية والإيحاءات

القطار والنهر:

يربط القطار والنهر جزأي البداية والنهاية ببعضهما بطريقة ذكية، حيث نرى في نهاية الفلم يونغ-هو وحبيبته وهما يمشيان معا يملؤهم الفرح والسعادة والأمل إلى جانب النهر قرب سكة القطار، وفي آخر مشهد نراه وهو يحدق في القطار وعيناه دامعتان خوفاً من زوال لحظات الفرح تلك وإيماناً بحتمية نهايتها.

أما في بداية الفلم نراه يقطع النهر وهو في حالة انهيار تام بينما يصرخ بين الحين والآخر حتى صعد السكة ورما نفسه أمام القطار صارخا أريد أن أعود! كما نرى القطار في أغلب مشاهد الفلم في إشارة إلى ألا مهرب من القدر ومهما مضت الحياة بنا وسرنا في دروب طويلة ومختلفة فالقدر بانتظارنا وأي محاولة للهروب منه لا طائل منها.

ومن جملة “أريد أن أعود” يمكن أن نستنبط أنه لم يكن يرغب حقا في إنهاء حياته، بل لعله كان يرغب بفرصة لتصحيح الأمور، بداية جديدة بقصة مختلفة. ربما ود لو كان شخصاً آخر، لكن من يجرؤ على الوقوف في وجه القدر؟

الأصابع.. والشرطة:

في إحدى المشاهد تخبره سونيم أن في أول لقاء لها معه كانت تنظر إلى أصابعه وتظن أنه شخص طيب، أخبرته كيف ترى بأن أصابعه غليظة ومزعجة لكنها بشكل ما جميلة، فينظر إلى أصابعه هازنا بها وبكلامها ويضحك بسخرية بعد كل ما ارتكبته يداه من قتل وتعذيب وكل ما تسببت به من تعاسة لنفسه.

وفي مشهد آخر قبل زواجه من هانجا تجلس إلى جانبه في المقهى الذي تعمل به، وتسأله لماذا أصبح شرطيا، وكيف أن مهنة الشرطة لا تبدو

وأنها تناسبه! من هذين المشهدين يتبين لنا كيف غيرت الظروف يونغ-هو وصيرته إلى ما لا يتماشى مع طبيعته، فتحول من شخص يبدو عليه الهدوء والطيبة إلى شخص صارم قاسي القلب. لم تكن سونيم تتخيل أن يصير ذلك الشخص الطيب إلى شخص آخر نقيضا لما كان عليه ولم تكن زوجته في البداية ترى أن تلك القسوة التي يبدو عليها هي حقيقته، فقد رأت بقايا جانبه المضيء الذي خاب بريقه مع الزمن.

Peppermint candy حلوى النعناع:

نرى تلك الحلوى في مشاهد عديدة و دلالات عدة، فبلونها الأبيض هي رمز للأحلام، للشباب الواعد، للأمل، للنقاء. فعندما كان يتمشى إلى جانبها في مشهد النهاية يسألها إن كانت تحب تلك الحلوى فتجيب بأنها تعمل في مصنع وتغلف الكثير منها يومياً. وعند انضمامة للجيش كانت ترسل له رسائل وتضع له الحلوى فيها حتى جمعها معاً في علبة واحدة، وفي أثناء إحدى الاستدعاءات للجيش سقطت العلبة وتهشمت الحلوى تحت أقدام الجنود في إشارة إلى تحطم أحلامه معها معها مشهد النهاية يسألها إن كانت تحب فتجيب بأنها تعمل في مصنع وتغلف يومياً، وعند انضمامة للجيش كاند رسائل وتضع له الحلوى فيها حتى جم علبة واحدة، وفي أثناء إحدى الاستدعاء سقطت العلبة وتهشمت الحلوى الجنود في إشارة إلى تحطم أحلامه وضياع آماله إلى الأبد، وحتى حب حياته. وتظهر كذلك في عدة مشاهد أخرى، منها عند زيارته لسونيم في المستشفى محضراً لها علبة من تلك الحلوى، كإشارة لمحاولة استعادة ما مضى وإن كان على شكل ذكريات.

لقد جسد الفلم بطريقة مميزة قصة إنسان آلت به الظروف وتراكم الصدمات إلى ارتكاب فعل الانتحار بعد عجزه عن إصلاح ما فسد من حياته، هي قصة إنسان جسدت قصص جمع من البشر حطمتهم الظروف الاقتصادية والسياسية والمؤسسات النظامية والحروب، فسحقت أحلامهم وهشمت آمالهم وذهبت بصحتهم النفسية.

وقد أبدع الممثل سول كيونغ غو في تجسيد الدور حتى تحسب أنه تصوير واقعي لحياة الشخص وليست تمثيلاً، وكأنه قد عاش كل تفصيلة فيها.

تميز الفيلم بأسلوب عرض مختلف وربط ذكي للأحداث، قد تغفل عنها عند مشاهدتك الأولى، لكن كلما تعمقت فيه أكثر ازدادت دهشتك بتفاصيله واستثيرت مشاعرك بأحداثه، هو تجربة مختلفة لا مثيل لها..

الصورة الافتراضية
Nadjiba Ameur
المقالات: 0

اترك ردّاً