منظور العبقريّة عند عبّاس محمود العقاد

«.. فشخصية العقّاد لا يمكن دراستُها في أقلّ من كتاب، وكتابٍ كبير. وما أجدر هذا الكتاب بأن يسمى “عبقريّة العقّاد”، وفاءً للعبقريّ الذي عشق العباقرة وقضى حياته في دفاعٍ عنهم لا يهدأ»*

    هكذا أنهى رجاء نقاش مقاله الذي نعى به عبّاس محمود العقاد بعد وفاته سنة 1963. مؤكّدا على نظريّته حول هذه القامة الأدبية والنّقدية العملاقة؛ لقد كان العقّاد محبًّا للعبقريّة نفسها، ثمّ أسقط هذه القيمة المطلقة في معاييره على الشخصيات التاريخية، بما فيها بعض رموز التّاريخ الإسلاميّ.

   يذكر العقّاد في مقدّمة أوّل السّلسلة، في كتاب عبقريّة محمّد صلى الله عليه وسلّم، أن ما أيقظ بداخله الرّغبة في الكتابة -وغالبًا لم يكن يخطّط للسّلسلة كلّها في بادئ الأمر- هو دافعٌ لصون مقام النّبي الأمين عليه الصلاة والسّلام، وتبرئة له من مطاعن “الأغرار والجهلاء عن حذلقة أو سوء نية.”** بما فيهم المستشرقين الذين لم يقصّروا في غمز مقام النّبوة. ومع ذلك، يصرّ بعضهم أنّ الأمر غيرُ ذلك. وأن “هوس” العقاد بالعبقرية مفهوما وتطبيقا عبر التاريخ الكونيّ كلِّه كان هو الدّافع الحقيقي، وأن كلّ ما تمّت صياغته في السنوات العشر التّالية نبع من مشكاةٍ واحدة.

   وبين تهمة “الكتابة للسّوق” وكتابة ما “يرُوج” وبين الاعتذار بجهله لنصوص التراث الإسلاميّ و”ظلامية” العصر الذي عاش فيه العقّاد، يُقال أنّ إصراره على عَنونة باقي كتب السلسلة بالعبقريّة، وهي أشبه بالسير الشّخصية التاريخية (عبقريّة عثمان وعبقريّة المسيح تحديدًا)، هو من قبيل التنقيب في أعماق عظماء النّفوس الأوّلين ليجرّدهم من مواقعهم التاريخية، وليلحقهم بباقي “العظماء” الذين كتب عنهم فيما بعد من السياسيين والمصلحين من شعوب العالم. ***

  أجد هذا ينطبق على عبقريّة محمد بشكلٍ أوضح، بينما أحتفظ بما صرّح به العقّاد نفسُه من دافع. كان قلمه متمكّنا، وأصبح فخرُه اللّامحدود بنبوغه وموهبته اللّذين مكّناه من الوصول إلى مراكز أدبية واجتماعية بدون ثروة ولا شهادات عليا «خيطًا سحريّا خفيّا يربط بينه وبين سائر العباقرة بعاطفة قوية شديدة الحرارة والإخلاص.»

   ثمّ هل كان من الممكن لشخصية مثله «ممتازة وفريدة، تشعر بهذا الامتياز والتّفرد منذ طفولتها الأولى حتى نهاية حياتها»*، ألّا تتفاعل نيّةُ الدفاع عن مقام النبي صلى الله عليه وسلّم عنده مع منظوره الحصريّ للعبقريّة وتقييم الجميع -حتّى أقرب خلّانه ومنافسيه- من خلال هذا الشّغف الاستثنائيّ لينتج عن ذلك كله تذبذب في موقفه من النّبوة، كمقامٍ يتجاوز كل تقييماتنا الإنسانية -بما فيها العبقرية والعظمة- المسربلة بالنقص والخطأ؟

  وبقدر ما ستختلف الآراء عمّا كتبه وعمّا سلكه في حياته السياسية والثقافية، وبين من يرفعونَه إلى مقام القدّيسين ومن يحطّون منه إلى حضيض الأشقياء، فإن ذلك دليلُ العظمة كما قال المنفلوطي يومًا.

  ————-

* رجاء نقاش، أدباء ومواقف.

** عباس العقاد، عبقريّة محمد.

*** محمد جلال القصاص، عبقريات العقَّاد والانتصار للإسلام، موقع صيد الفوائد.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
أميرة بوسجيرة
مهندسة كيميائيّة.. شغوفةٌ باللّغة والأدب والتّرجمة
المقالات: 23

اترك ردّاً